لمعت عيناه وهو الطفل الكبير الذي يمنحك، ويمنح نفسه، شعوراً ساخناً بالفرح. «أكثر شيء يؤلمني في هذا العالم، أنّني لم أرَ أمي. لكني أراها في كلّ أم تحنو على وليدها». لا شيء غير هذه الذكرى هزّ روح الطفل فلتس، أو «حبيب الرب» باللغة القبطية. لم يعجبه اسمه يوماً: «يوحي لي بأنّني مُفلس، اسم غريب جداً»، يقول مقهقهاً. لهذا اختار اسماً آخر، هو جورج البهجوري، ليصير اسماً لواحد من أشهر التشكيليين في جيله، بيكاسو مصر، النحات ورسام الكاريكاتور وأخيراً الكاتب والروائي.

إنّه في مصر الآن، لكنّه يتوقع العودة إلى فرنسا نهائياً. قضى في بلاد الأنوار ما يزيد على أربعين عاماً. ينتظر من الثورة المصرية أن تُرجعه عن هذا القرار. «لست فرحاً بما يجري. عندما كنت أسمع صراخ المصريين في ميدان التحرير، كنت أقول إنّها نهاية الظلام. لكن مصر تعود إلى الخلف. أنا قلق عليها من مخدّري الدين، وتقاليد الصحراء البدوية... مستقبلنا في التحرر، والمدنية، والانفتاح على العالم». لا يحب رسم الرئيس السابق حسني مبارك. «ليس له طعم، ولا كاريزما، لكني رسمته متجهاً إلى منصّة مجلس الشعب، وكلّ الأعضاء واقفون، يصفقون بحرارة، فيقول لهم الرئيس المخلوع: قيام... جلوس».
عندما يحنّ جورج البهجوري إلى أيام المراهقة، يتذكّر رسالة ابن خالته سمعان، يهنئه بنجاحه في امتحان الدخول إلى «كلية الفنون الجميلة» (1950). كتب يقول: «لا تنس أنني قلت لك إنك موهوب في الرسم، وتركتك يوماً كاملاً في غرفتي، وقعدت ترسم، طول النهار. فلتس! كان عمرك ست سنوات. وخرجت علينا بلوحة جميلة جداً. أتذكرها حتى الآن، نساء وزهور وطيور».
يردّد البهجوري اسم شقيقه جميل كثيراً، وهو هاجر إلى الولايات المتحدة، حيث يقيم منذ زمن. يحتفظ بصورة من رسالة بعثها إليه من ولاية بنسلفانيا (1970): «أرجو أن يكون البالطو الصوف وصلك. سعدت بإنتاجك المذهل. فقدان الأم وضيق ذات اليد، دفعانا لنكون شديدي الحساسية، ورومانسيين إلى حد بعيد. أرجوك ارسم بألوان مبهجة. كفاك الحزن البادي في وجوه الشعب المصري. ارسم زهوراً يا أخي».
يعشق البهجوري فرنسا، كما يعشق مصر. سافر إليها بعد نكسة يونيو 1967. ترك رسام الكاريكاتور اللامع في مجلة «صباح الخير» كلّ ما بناه في أم الدنيا، ترك محبين كثراً وأصدقاء في مجالات الفنّ والأدب والسياسة والصحافة. يتذكر رفاقه من تلك المرحلة، ومنهم رسام الكاريكاتور حجازي الذي فارقنا أخيراً. «خسارة يموت»، يقول. «كان رساماً شعبياً رائعاً. كان زميلي في المجلّة، ومعنا صلاح جاهين، وزهدي، وصلاح الليثي، وغيرهم، وطبعاً الفنان العظيم حسين بيكار، وكان هو من تبنّاني».
لم يكن المناخ في مؤسسة «روز اليوسف» حيث عمل البهجوري، يساعده على انتقاد السلطة. «كنت أحب جمال عبد الناصر، لكنّني كنت أستخدم الرمز لانتقاد سلطة يوليو، والقارئ الذكي يفهم».
في عهد السادات، كان البهجوري في باريس. ومن هناك رسم السادات رجلاً معزولاً منبوذاً. وبعدما وقّع اتفاقية كامب دايفيد مع الكيان الصهيوني، رسمه حائراً في جزيرة بعد غرق سفينته. لم يعد إلى مصر إلا بعد موته. «لو عُدت، لكانوا سجنوني بالتأكيد». مواقفه الحادة من الحقبات الثلاث بعد ثورة 1952، أبعدته عن مسرح جوائز الدولة، على رغم حصوله على العديد من الجوائز العالمية. لكنّه لا يشغل باله بأنّ مصر لم تكرّمه. لوحاته الزيتية دخلت «متحف اللوفر» عام 1990، ووضع اسمه في قاعة كبار المشاهير. وله هنا أيضاً منطق مغاير. «أنا أرسم الشعب، والشعب يحبني. هذه أهمّ جائزة في العالم».
نجح الفنان في باريس، «على عكس ما توقّع كثيرون لي». تعلّم من خبرات فنانين كبار ، مثل آنغر، وهولباين، وبيكاسو، في الرسم بخط بسيط، والشفافية في درجة اللون. بعد سنوات قليلة، تخلّص البهجوري من هوس المدرسة التكعيبية في رسومه، وعاد للتبسيط في الخطوط، مستلهماً الأيقونة المصرية المستوحاة من الرسوم الفرعونية. ثمّ تطوّرت أعماله الآن مع استخدامه الإبرة. لكنّه قبل هذا، كان قد تعلّم فن النحت على يد نحات روماني هارب من حكم تشاوشيسكو. «علمني كيف أنحت بورتريهاً من جذع شجرة». البهجوري مشغول الآن بإعادة رسم أعمال الفنانين الكبار في مصر والعالم. ساعدته الفنانة الفرنسية نوبلي كور المتخصصة في الخطوط المصرية القديمة في مساعيه للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون، وكان موضوعها «الخطّ المصري في لوحات بيكاسو». لكنّه لم يكمل البحث لانشغاله باستكشاف فرنسا، هو الذي يعشق بابلو بيكاسو: «الخطوط في رسومه رشيقة جداً، هذا الفنان أجبر العالم على رؤية الأشياء بعينه».
حياة البهجوري الفنية كادت تنهار، بعدما شب حريق في مرسمه في جزيرة سان لوي الباريسيّة، إلا أنّ النجدة جاءته من إسبانيا (1989)، إذ فاز بالمركز الأول في المسابقة العالمية لفنّ الوجوه، عن لوحته الضاحكة المرسومة بخط واحد متصل لوجه الجنرال فرانكو. كانت قيمة الجائزة حينها 12 ألف دولار، وكان مبلغاً خيالياً لرجل فرضت عليه الشرطة الفرنسية غرامة مالية، لأنّ أثاث مرسمه المحترق شغل الرصيف لثلاثة أيام متتالية.
أقام التشكيلي المصري عشرات المعارض لرسومه ولوحاته في معظم العواصم العالمية. ويحفل مرسمه اليوم بلوحات زيتية جديدة عن الثورة المصرية، إضافةً إلى بورتريهات عن الناس في الشوارع. لكنّه لا يتوقّف عن الجنون والطموح. «ما زال أمامي الكثير لأرسم وأكتب وأضحك». الكتابة الأدبية، كما يسمّيها، تشغله كثيراً منذ سنوات. يعدّ ثلاثيته «الأيقونة» (فلتس/ الفن/ باريس) وكتابه «بهجر في المهجر»، نوعاً من أدب اليوميات الذي يلخص تاريخ مصر بالكلمات، ويصل إلى آفاق الرسم بالكلمات. في صدارة مؤلفه الأخير «أيقونة شعب: رواية بدون كلمات» (2008)، كتب الشاعر أدونيس بخطّ يده: «جورج. رأيت شمس مصر، تغطي وجهك بمنديلها. باريس 1995».




5 تواريخ

1932
الولادة في قرية بهجورة في محافظة الأقصر (مصر)

1970
التحق بـ«جامعة السوربون» وبدأ دراسة الفن في باريس

1990
لوحاته الزيتيّة دخلت «متحف اللوفر»

2008
صدور كتابه «أيقونة شعب: رواية بدون كلمات» (دار الجميل)

2011
أقام معارض عدّة في القاهرة، بينها «لوحة لكلّ بيت» في غاليري الكحيلة (المهندسين/ القاهرة) الشهر الماضي