الجلوس أمام سدّ مدينة الكوت (جنوب شرق بغداد)، لم يكن بالنسبة إلى ذلك الصبيّ المتأمل، مجرّد محاولة لمراقبة تدفق مياه دجلة. كانت أحلام اليقظة تتقافز في مخيّلة نصير شمّة كالأسماك الرشيقة، لكنّ ذلك الحالم المشغول بالآتي من الأيّام، لم يكن يكتفي بالسهل. «كنت أكسب مصروفي بنفسي، وهذا كان ضدّ إرادة الأهل، لكنني شعرت باستقلاليتي وأنا في السابعة». خطّ لنفسه مساراً خاصّاً، انعكس في ما بعد على شخصيته.


كان يبيع الخبز الساخن بين الخامسة والسابعة كلّ صباح. واكتسب بذلك نوعاً من الزهو منذ أيام بيع الصمون العراقي، حين كان يعود إلى البيت حاملاً «القيمر» إلى أمّه، ليحمّل نفسه شيئاً من الالتزام إزاء أب كان يعيل عائلة من 12 فرداً.
المدرسة بالنسبة إليه كانت فقط محطّة عبور إلى بغداد، العاصمة التي ينوي أن يدرس فيها الموسيقى. لهذا لم يعر الدراسة اهتماماً كافياً. أولى الخطوات التي عززت شغفه بالموسيقى، كانت علاقته بأستاذ النشيد في المرحلة الابتدائيّة. «كان في كفة، وكلّ معلّمي مدرستي في كفة ثانية». كانت نبضات قلب الطفل تتسارع حالما يرى العود في يد معلّمه. استغلّ الاستراحة يوماً ليلمس تلك الآلة، فنال عقوبة قاسية. «حين وضعَ قلم الرصاص بين أصابعي كعقوبة على فعلتي، شعرت بتحدٍّ مع نفسي بأن أتعلّم الموسيقى وأتقنها». عوّض علاقته السيئة بالمدرسة من خلال توطيد أواصر الصداقة مع الآلة الموسيقيّة، التي ستصبح لاحقاً ملهمته الوحيدة، ورفيقة دربه. «كنت أهرب من المدرسة إلى دائرة النشاط المدرسيّ للقاء حميم يستغرق ساعات طويلة مع عودي، الذي جعلني أنسى نفسي في المكان أكثر من مرة». يخبرنا صاحب «قصّة حبّ شرقيّة» أنّ عائلته ما زالت تتذكر بحثها عنه لساعات، حين علِق حتّى منتصف الليل في «دائرة النشاط»، لأنّ الحارس غاب، ولم يسمع صراخه. تفرّغه لذاك «العالم الجميل»، حمل لروحه الكثير من الفرح، لكنّ تعلّقه بالموسيقى لم يمنعه من متابعة فنون أخرى، مثل الرسم التجريديّ، والمسرح التجريبيّ، وقصيدة النثر.
ربّما أثّر المحيط ذو الصبغة اليساريّة في وعيه وثقافته، من غير أن يعني ذلك أنّه كان متحزّباً. «كان أغلبهم مثقفين ثقافة حقيقيّة، لمست فيهم دماثة الخلق وحسن المنطق والرقي في التعامل مع المرأة والطفل، وهذا ما لم أجده في الآخرين». حادثة «قلم الرصاص» بقيت حيّة فيه. في إحدى العطل الصيفيّة، ذهب إلى معلم آخر في دائرة النشاط المدرسيّ، هو صديق حسن الناموس، ليأخذ على يده أوّل دروس العود. شعر بأنّ مدينة الكوت تضيق به، وحان أوان الانتقال إلى بغداد. هناك عاش تحدياً جديداً، ما تفرضه العاصمة من شروط على المبدع ليتميّز. «بدأت الصحافة تكتب عني، وصار ما أقدّمه يحظى باهتمام بالغ من جانب المثقفين في بغداد». يخبرنا وهو يستعيد علاقته بأساتذته في الكوت التي ظلّت حتى مغادرته العراق عام 1993.
لا تكتمل رواية خروجه من العراق من دون العودة إلى فصل منها، وهو «الاختلاف في وجهات النظر» مع المدير العام لدائرة الفنون الموسيقيّة (في ذلك الوقت) منير بشير (1928 ـــــ 1997). تسبب ذلك برحيل شمّة إلى عمان حيث أقام عاماً، ليعود إلى بغداد مخفوراً عام 1989. قابلته يومذاك السلطات باتهامات، منها شتم النظام والحزب، وكاد يصل إلى حبل المشنقة، لكنّ تدخلات عدّة نجحت في إطلاق سراحه، ليُساق قسراً إلى الجيش، حيث قضى سنتين، وشهد حرب الخليج الثانية. مع انتهائها، فكّر في أن يؤسّس حزباً معارضاً للسلطة، ثمّ تراجع عن ذلك. قرر إعلان القطيعة النهائيّة مع النظام في بغداد ومغادرة البلاد، ومن ثمّ إقامة حملة لإعانة أطفال العراق ومرضاه. وكان له ذلك في تشرين الأول (أكتوبر) 1993، حين توجّه الى تونس. «أقمت هناك خمس سنوات، وكانت علاجاً لكلّ الأمراض التي أصابتني بعد السجن والقتل والموت. حاولت استثمار كلّ ما وصلت إليه، وتجييره لمصلحة علاج الأطفال أو مساعدة العراقيّين».
لكنّ الجدل ظلّ يلاحق اسمه، ومنه الاعتراض على بعض التفاصيل التي تتعلق بخلافه مع أستاذه منير بشير، أو حتّى تلميحات إلى أنّ موقفه لم يكن واضحاً من نظام صدّام آنذاك. مع ذلك، يبدو أنّ انخراطه في الأعمال الخيريّة الإنسانيّة أخذ من جُرف إبداعاته. «عليّ أن أستقبل اتصالات الناس في أي وقت. لا يمكن القول لهم إنّني لا أقدر على مساعدتكم». هكذا يصف التزامه بالخيار الإنسانيّ، ويقرّ بأنّ ابنته ليل هي الوحيدة التي دفعت ثمن انشغالاته عنها.
يتجوّل في مكتبه في «بيت العود العربي» مقابل قصر عابدين في القاهرة، وحوله شرائط صوتيّة لموسيقيّين عرب وأجانب، توحي أرشفتها المتداخلة بأنّه لا يؤمن بوجود موسيقى شرقيّة وغربيّة. يغطي الجدران عدد من اللوحات التي رسمها ولم يوقّعها في انتظار معرفة أهميّتها فنيّاً. وفي مقابل ذلك، نجد مكتبة مليئة بدواوين الشعر وكتب الأدب، يحيلنا حجمها على أنّ نصف عالمه هو الشعر، فيذكّرنا ذلك بأنّه موسق قصائد محمود درويش وأدونيس في أمسيات مشتركة. يتلذّذ بقراءة الشعر العربيّ من الجاهلية إلى اليوم، وتعجبه أعمال أمجد ناصر.
صاحب أسطوانة «قبل أن أصلب» التي تعكس ولعه بالصوفيّة وتعمّقه في قراءتها، منهمك حالياً بقيادة البيت الرائد. يخرّج عازفين بعد عامين من الدراسة، مؤهلين للتجريب والتحديث. يبحث شمّة عن التواصل مع الجيل الجديد وفق مبدأ تراكم الخبرة، لا بوصف ذلك توريثاً. ما زال يتطلّع إلى إنجاز بيت العود في العراق، كي «تكون هناك بيوت للعود، ليس في بغداد وحدها، بل في البصرة والكوت والسليمانية وأربيل والموصل أيضاً».
نسأله إن كان يفكّر في الإقامة في العراق، فيجيب بأنّه لو كان في الداخل لربّما كان أقلّ اهتماماً إزاء بلاده، لكنّ موقفه واضح، هو «ضدّ الدكتاتوريّة في السابق وضدّ الاحتلال لاحقاً. لقد استُبدل السرطان بالإيدز، والمرضان قاتلان». رفض الموسيقار العراقي تلبية أكثر من 25 دعوة لإحياء حفلات في أميركا. يفسّر غيابه عن بغداد منذ الغزو بأنّ «ثقل بغداد النفسيّ والروحيّ والحضاريّ يمنعني من تخيّلها تحت سطوة دبابات أميركيّة. وحالما ينتهي هذا الوضع، نعود الى عراق يحكمه عراقيّون نختلف أو نتفق معهم». ويتساءل لِمَ لم تفلح الإدارة الأميركية التي تحكم البلاد منذ 8 أعوام في إعادة الكهرباء؟ «هذا الفساد غير مسبوق في تاريخ العراق منذ زمن هولاكو حتّى اليوم». في رأيه، فإنّ أصعب ما يواجه المناخ الثقافيّ العراقيّ، هو شراسة بعض العاملين فيه، والسجالات بين المثقفين المكتوبة المصبوغة بلغة التخوين والاتهام بالعمالة.
يتابع الجديد في المشهد الإبداعيّ العراقي. يعدّ الالتماعات فيه فرديّة، ويتخوّف من مصادرتها بتأثير مراكز سياسيّة ودينيّة. التفاؤل حاضر عنده في ما يخص مستقبل العراق «عندما ينظّف جيوبه من كلّ ما هو طائفيّ وعرقيّ ومذهبيّ».




5 تواريخ

1963
الولادة في الكوت (جنوب العراق)

1977
تعرّف إلى آلة العود للمرة الأولى في حياته

1982
التحق بمعهد الدراسات النغميّة الذي يعرف اليوم بـ «معهد الدراسات الموسيقيّة»

1989
اختطافه من عمان وإعادته إلى بغداد ليودع في السجن

2011
يطلق حملة مع الأمم المتحدة لإحياء مئة حفلة للمساعدة على تخفيف المجاعة في الصومال وغيرها من دول العالم