دمشق | لم يحطّم التكفيريون آثار تدمّر، كما كان متوقّعاً، لحظة اجتياح المدينة الأثرية. اكتفوا بتمثال «أسد اللات» الذي كان يحرس بوابة المتحف، كصورة رمزية للتداول، فهم يعلمون جيداً أهمية الكنوز التي غنموها. قبل أن يجتاحوا المدينة القديمة، كانت المديرية العامة للآثار قد أفرغت المتحف من محتوياته النفيسة، فكان على هؤلاء البرابرة أن يقتفوا أثر التماثيل النادرة، ليس لتحطيمها، بل من أجل تهريبها، فالمافيات العالمية لتهريب الآثار تنتظر صفقة العصر.


كانت كلمة السّر لدى شخص محدّد هو خالد الأسعد (1934- 2015) الذي قضى نصف قرن من عمره يحرس هذه الكنوز، ويعرف سجل نفوس كل قطعة أثرية في هذه المدينة الصحراوية التي كانت ممرّاً للقوافل على طريق الحرير، ومثلما رفض مغادرة مدينته التي تنفّس هواءها ثمانين حولاً، رفض الإفشاء بأسراره لهؤلاء اللصوص، وحين فقدوا الأمل، قرروا إعدامه على طريقتهم الوحشية. ساقوا الرجل الثمانيني على الطريق نفسها التي كان يسلكها لسنواتٍ طويلة، نحو المتحف، الطريق التي سلكتها قبله الملكة زنوبيا مكبّلة بأصفادها إلى روما. في الساحة أقاموا عرضاً جماهيرياً شبيها بالعرض الذي قدموه منذ أشهر في المدرّج الأثري، لحظة إعدام أسرى من الجنود، ولكن هذه «المونودراما» كانت أكثر دموية، إذ انتهى العرض بقطع رأس الرجل، ثم تعليق جسده على احد الأعمدة في الطريق العام. لا نعلم بماذا كان يفكّر الرجل الجليل في تلك اللحظات المفزعة قبل ذبحه. الأرجح أنه استعرض شريطاً طويلاً للكنوز التي حرسها، ثم نام مطمئناً على أسراره، بصحبة كائنات معبد بل، وسبيل حوريات الماء، والآغورا، ومدفن زنوبيا. ليست التماثيل إذاً، أصناماً من التمر ينبغي تحطيمها، إنما سلعة للاستثمار في بورصة الظّل، إذ لطالما عبرت «أصنام» أخرى الحدود، طوال سنوات الحرب على يد مهربين آخرين. هكذا سيعود الخبير والباحث الأثري إلى مدافن أسلافه، متكئاً على سيرة شخصية ناصعة ونزيهة ونوعية، بالإضافة إلى رصيد ضخم من الأبحاث والكتب والمراجع التي توثّق تاريخ هذه المدينة الأعجوبة التي تشبه متحفاً في الهواء الطلق، مثل «المنحوتات التدمرية»، و»دراسة أقمشة المحنطات والمقالع التدمرية»، و»زنوبيا ملكة تدمر والشرق». نسخة أخرى من العار، غيّبت هذه المرّة خالد الأسعد، بلغته الآرامية الذي أضاءت تنقيباته الأثرية بمعلومات تاريخية عن مدينة الشمس، لتُستبدل بلغة التكفيريين، وهم يفتشون عن الذهب وحسب، فيما ظلّ «حارس الأصنام الثمينة» يحلم إلى آخر أيامه باكتشاف تمثال للملكة زنوبيا، فهل حطّم الرومان تماثيل الملكة؟