ربّما يفاجأ كثيرون حين يعلمون أنّ العديد من الموشحات والأدوار الغنائيّة، التي اعتادوا سماعها بأصوات كبار المطربين العرب، هي من ألحان الموسيقار العربي الكبير الراحل سيّد درويش الذي تمر ذكرى رحيله الشهر المقبل، ومنها على سبيل المثال: «حبي دعاني للوصال»، «يا شادي الألحان»، «أنا هويت» وغيرها الكثير.


ونظراً إلى حياة سيّد درويش القصيرة (17 مارس 1892 وتوفي في 10 سبتمبر 1923)، فإنّ الكمّ الكبير من الألحان التي خلّفها وراءه، توحي بأنّ عمره الفنيّ، القصير جداً، كان أشبه بالسلّم الموسيقي، المحدود بسبع علامات موسيقيّة، ما يمنحه القدرة على ابتكار كمّ لا متناه من الجمل اللحنيّة. وهو ما أدركه الشيخ منذ طفولته، فكان العامل الأساس في ثورة موسيقيّة أطلقها لتحمل الموسيقى العربية إلى آفاق ما كانت لتصل إليها لولاه، ما جعل كبار الموسيقيين العرب يعترفون بأنّهم جميعاً خرجوا من عباءة السيّد درويش، وليصرّح موسيقار بحجم رياض السنباطي بمقولته الشهيرة: «وحده سيّد درويش من يستحق لقب موسيقار. جميعنا نعمل في الفناء الذي شيّده، من دون أن يتمكّن أحد منّا من إضافة لبنة واحدة إليه».
إنّ ما قام به سيّد درويش على صعيد الموسيقى الشرقيّة، لم يكن بنسف الماضي العريق لهذه الموسيقى الأصيلة، وإنّما بالبناء على إرث عظيم، استطاع تطويعه ليستوعب قوالب جديدة من الجمل اللحنية، وكذلك قوالب مختلفة من الكلام الغنائي. ما فتح الأبواب أمام كلّ من أتوا بعده، لينهلوا من هذا الدفق الغزير، ويؤلّفوا موسيقاهم مستندين، بشكل أو بآخر، إلى الأسس التي أرساها، دون أن يتمكّن أحد منهم على الخروج عنها، ما يجعله يستحق بجدارة لقب عبقريّ الموسيقى العربيّة.


انخرط في علاقة غراميّة
جمعته بفتاتين ممّن كنّ يرقصن على ألحانه في المسرحيات

غير أنّ أهميّة سيّد درويش لم تكن مقتصرة على ابتكاراته الموسيقيّة، وإنما لكون حياته امتزجت بموسيقاه حدّ التماهي. فهو ابن الشعب، ابن الفقراء والمظلومين، الذين انتصر لقضاياهم الصغيرة والكبيرة في كلّ ما غنّاه، من دون أن يغفل فئة منهم. فمثلما أنشد للوطن والحرية والاستقلال، أنشد للسقايين والحمّالين والغراسين والحنطورية. وكان من المعروف عنه التصاقه ببيئته، وعدم خروجه عنها، حتى أنّه استمّد الكثير من ألحانه من الأصوات التي كان يسمعها من حوله. ولعلّ في حكاية «لحن السقايين» دلالة كبيرة على ذلك. إذ يروي المسرحي الكبير الراحل نجيب الريحاني، في مذكراته، انّه أسند لسيد درويش كلاماً يشرح أحوال السقايين، في رواية أطلق عليها اسم «ولو»، طالباً إليه تلحينه. لكن السيّد أمضى ثلاثة أيّام من دون أن تسعفه قريحته بجملة لحنية تناسب الكلام المسند إليه، إلى أن كان في اليوم الثالث، فسمع سقّاء يعبر بجوار منزله وهو ينادي بصيحة ملّحنة «يعوّض الله»، ليهرع السيّد إلى اعتماد الجملة كما هي، بلحن السقّاء، لتكون مطلعاً لأغنيته التي لاقت نجاحاً كبيراً.
لقد كانت حياة سيّد درويش، على قصرها، حياةً غنيّة تنقّل فيها في أوساط مختلفة، فمن بيت والده الذي كان يعمل نجاراً، وعمل السيد معه في مراحل من حياته، إلى أوساط المشايخ والمقرئين حيث تعلّم أصول التجويد والتلاوة والموسيقى، إلى الشام التي أتمّ فيها دراسته الموسيقية، ومن ثمّ العمل في مقاهي الاسكندرية، حتى سمعه الشيخ سلامة حجازي، وطلبه للعمل معه في مسارح القاهرة.
في القاهرة، انغمس الشيخ سيّد درويش بالعمل في كبريات المسارح، حتّى بات صيته ذائعاً، وراحت أغنياته تدور على ألسنة جميع الناس، لبساطتها وأصالتها وما تحمله من روح قابلة للتجديد. وهناك أيضاً انغمس في حياة الليل، وحياة القاع المصري، فكان للحشاشين أيضاً نصيبهم من أغنياته (أغنية «الحشاشين»، و«الكوكانجية»). ويروى عنه في تلك الأثناء علاقةً غراميّة جمعته بفتاتين ممّن كنّ يرقصن على ألحانه في المسرحيات، وكانت إحداهن تحمل اسم فردوس، والأخرى اسم رضوان. وعاش سيّد ازدواجيّة عاطفيّة تجاههما، إلى أن جاء يوم اكتشفت فيه فردوس علاقته برضوان، فغضبت منه، وقرّرت مقاطعته، فلم يحتمل سيّد جفاءها له، وطلب منها الصّفح، لكن فردوس رفضت ذلك. غير أنّ سيّد وعدها بأن يقدّم لها لحناً لم يسبق أن أتى أحد بمثله، ليكون بمثابة اعتذار وشفيع له لديها. وفي بعض الروايات، يحكى أنّه بعد صدّها له، اعتزل في مكان مجهول لبضعة أيّام، حتى شاع خبر وفاته، قبل أن يعود ومعه اللحن الموعود. لكنّ الأرجح أنّه لجأ إلى صديقه، الشاعر والمسرحي، بديع خيري، الذي كتب له عدداً كبيراً من أغنياته الشهيرة، فشكا له حاله، وعرض عليه الوعد الذي أعطاه لفردوس، طالباً إليه أن يترجم ذلك في أغنية، فكتب بديع خيري «يا ناس أنا مت في حبي/ وجم ملايكة يحاسبوني/ حدش كده قال»، ليقول أخيراً: «يا عيني ع اللي عشق واحتار/ وقضى طول عمره في أفكار/ ياخدوه قوام م الدار للنار/ ما ينجدوش إلا الستار». قام درويش بتلحينها لتكون بالفعل شفيعته لدى فردوس، التي عادت إلى وئامه بعد الجفاء. وقد اختار درويش لتلحين هذه الأغنية مقام الحجاز كار المعروف بكثافته الشعوريّة، وقدرته على ترجمة الشوق والأسى، حتى أنّه يعتبر من المقامات الموسيقيّة المفضّلة لدى المقرئين، والمنشدين، لما يخلقه من حالة صوفيّة لدى المستمع إليه، فكان أن وجد فيه سيّد درويش خير معبّر عمّا يعتمل داخله، من حالة عشق، جعلها ساميّة حدّ الصوفيّة. لتكون هذه الأغنيّة من العلامات الفارقة في تاريخ الأغنية العربية، وما يزال المطربون العرب يتغنون بها حتى اليوم.