هل كان نشر مقالة سعدي يوسف في هجاء برهان غليون («الأخبار»، ٩/ ١٢) قراراً متهوّراً؟ صحيح أن المقالة الناريّة، تقف على حدود المقبول به عادةً في النقد والسجال، وأن كثيرين يمتنعون عن كتابة هذا الكلام، وإن كانوا يفكّرونه. صحيح أيضاً أن الصحافي يفترض به أن يتثبّت مما يقدّمه من معلومات، متفادياً التشهير والاتهامات غير المسندة، لكن الكاتب هنا ليس صحافيّاً يقدّم معلومة باردة، بل شاعر يطلق صرخة مجروحة.


هل كان المطلوب أن نمارس على سعدي يوسف رقابة لم نمارسها على الآخرين؟ ها هم أنصار الحريّة يطالبون بمصادرتها إذاً، والمتعاطفون الانتقائيون مع الثورات لا يرون مانعاً من ممارسة القمع الانتقائي أيضاً. ليس الإسفاف دائماً حيث نعتقد. كثيرون مثلاً يعتبرون أن ذروة الفجور هي أن يدافع موظّفو الإعلام السعودي والحريري عن حريّة الشعب السوري، وقد نشرت «الأخبار» بيانهم في صدارة صفحاتها. سعدي يوسف أحد أكبر الشعراء الأحياء، ولا يمكن التعامل مع ما يكتبه بحياد، وخصوصاً في هذه اللحظة التي تحتاج إلى من يجرؤ على قولها. نص سعدي ينتمي إلى تقليد عريق في الأدب السياسي، من الشعر العربي إلى فيكتور هوغو، الذي نذكر جيّداً تقذيعه لـ «نابليون الصغير». موقف الشاعر الحاد والنافر يهمّ الرأي العام، ويستحق التوقّف عنده، لأنه يسلّط أضواءً خاصة على المرحلة المضطربة. ليعذره أنصار «اللائق سياسيّاً» إن لم يكن لائقاً مع الرجل الذي يحلم نفسه فاتسلاف هافيل، فيما هو لا يرقى إلى أحمد الشلبي. سعدي يوسف شاعر عراقي مذبوح، رأى جيّداً ما حدث لبلده، وربّما لم يسامح نفسه لأنّه تخيّل للحظة أن الاستعمار الغربي قد يحرّر شعبه من الطاغية. لم يفت الأوان كي نتعلّم من جراحه.