دبي | «حبيبي راسك خربان» تقول لنا المخرجة الفلسطينية سوزان يوسف، في أوّل أعمالها الروائية الطويلة، الذي حصد الجوائز في الدورة الثامنة من «مهرجان دبي السينمائي الدولي» الأخير (أفضل فيلم ومونتاج وممثلة). بينما حصلت باكورة الأردني يحيى العبد الله «الجمعة الأخيرة» على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، وحصل علي سليمان على جائزة أفضل ممثل، والفيلم حصل على أفضل موسيقى تصويرية للأخوين جبران.


«حبيبي راسك خربان» أول شريط روائي يصوّر في قطاع غزة منذ 15 عاماً. لكنّنا نبحث هنا عن غزة، فلا نعثر عليها ولو في لقطة بانورامية واحدة، فيما نقع على الجدار المفبرك وعلى أولاد يرمون الحجارة من فوقه! هذا وذاك متشابهان، بما يقودنا إلى القول إنّ الفيلم محصور بين مواقع التصوير التي تعتقل التصوير الخارجي وتجعله محاكاة للاستديو، وكذلك الأمر بالنسبة إلى سيناريو الفيلم، الذي يتخيّل ما سيكون عليه قدر قيس وليلى لو عاشا في غزة اليوم! ويجيب الفيلم: «حماس» ستدمر حبّهما، ومعها يحضر مجتمع ذكوري يتجسّد في أب متناقض، وأخ سرعان ما تستميله «حماس» وتجري له عملية غسل دماغ دينية، بعد مقتل صديقه برصاصة طائشة، وصولاً إلى إسرائيل التي ستتولى قتل آخر أمل لدى قيس وليلى في الهرب وفي خليص عشقهما من حصار يتشارك فيه الجميع. بداية «حبيبي راسك خربان» أفضل ما في الشريط، وتحديداً الدقائق العشر الأولى: لقطات متتالية وتقطيع سريع للحب المندلع بين قيس أو مجنون ليلى (قيس ناشف) وليلى (ميساء عبد الهادي). نقع عليهما بدايةً في شقة خلال دراستهما الجامعية في الضفة الغربية، ثم ذاك الوداع الذي يحدث خلسة، ويمضي بعدئذٍ كل إلى حياته بعد رجوعهما إلى غزة. ليلى تعود إلى أحضان عائلتها الثرية، وقيس يعود إلى بؤس عائلته وإخوته الكثر، وعمله الشاق في البناء. قيس يملأ جدران غزة بأشعار قيس بن الملوح، وليلى تضيق بها مساحة الحرية، بينما يسعى والدها إلى تزويجها بابن الحلال بالمعنى التقليدي لهذا التوصيف.

سيتغير كل شيء بعد ذلك. وستبدأ الوصفات الجاهزة تولّي سرد الفيلم، وغزة تضيق بقيس وليلى، ليكون الحصار المضروب حولهما سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. ولاستكمال ذلك، سينتقلان من موقف إلى آخر. وحين تكتمل المواقف، ينتهي الفيلم. أما كل مشهد، فيندرج ضمن عنوان واحد، يستكمل حجم العسف الذي يلاحق قيس وليلى. يحدث ذلك من دون أي إدارة للممثلين، وفي حوار مهلهل ومفبرك، وتوليفة فيلمية متضاربة ومتباينة، لن تكون وفية حتى لقيس العائد إلى غزة، ولا حتى لأشعاره إلا إذا قُرئت في الترجمة الإنكليزية للفيلم.
أما شريط يحيى العبد الله «الجمعة الأخيرة»، فيضعنا منذ البداية أمام رجل وحيد جالس (علي سليمان) في مقبرة وأمامه موقد لصناعة القهوة والشاي. ينهض ومعه «طاولة زهر»، ثم سنقع عليه وهو يشرب قهوته، بينما عمّان بادية من خلفه. تنقطع الكهرباء، يصلح الرجل العطل، يهبط درج البناية. يتوقف كاستجابة لألم داهمه ثم يتابع إلى سيارة التاكسي التي يعمل عليها. بينما نرى جارته في انتظار تاكسي. ينقطع المشهد. بعدها، نراه يقود سيارته بينما المرأة تجلس في المقعد الخلفي وتتكلّم بالهاتف الخلوي. حتى الآن، لا نسمع كلمة واحدة في الفيلم، وأولى تلك الكلمات ستكون قادمة من تلك المرأة. كتابة ما تقدم مع تتابع اللقطات الأولى لقطةً لقطةً، يهدف إلى وضع الفيلم في مسار سيمضي به إلى النهاية، ونحن نتعقّب شخصية رئيسية مصوغة بعناية، وفي سياق فيلم متقشف مصوَّر بكاميرا «إتش دي كام»، تقدّم الشخصية التي جسّدها علي سليمان، وتضبطها متلبّسة وهي تمارس حياتها اليومية، وبالتالي تستدعي ماضيها وحاضرها ومستقبلها. وفي سياق مواز، سنتعرف من خلال تلك الشخصية إلى الحياة المعاصرة في عمّان، والعلاقات الاجتماعية في العاصمة الأردنية.
هذا الرجل مطلّق وأب لابن يعيش مع أمه (ياسمين المصري) المتزوجة رجلاً آخر. وستكون الأيام الافتراضية التي تتوالى في الفيلم فرصة لتحقيق بعض الـ «رتوش» على حياته، مثلما هي الحال بشأن علاقته بابنه. يتزامن كل ذلك مع مسعاه للحصول على المبلغ الذي يحتاج إليه لإجراء عملية جراحية ضرورية في غضون أربعة أيام . وسنكتشف أيضاً تلك الخسائر التي لحقت به في حياته، ومعها خيباته وشهواته، وصولاً إلى ما يجعل حياته معبراً أيضاً إلى علاقة متأزمة، لكنّه يتعامل معها وفق مبدأ «إنها الحياة».
فيلم يحيى العبد الله يضعنا مباشرة أمام ما يمكن أن يكون معبراً يختزل حياة رجل كاملة. إنه رجل طاولة الزهر، لأنه مقامر كما سنكتشف لاحقاً. سيقامر وسيربح ليشتري كلباً لابنه. إنها مقامرة بحياته أيضاً، لكونه سيقامر بما جمعه من مال لإجراء عمليته. إنه على اتساق مع نفسه، تماماً كما سيكون عليه الفيلم في جميع عناصره، ونحن نتعرف إلى مخرج أثبت من خلال فيلمه الأول أنّه يعدنا بالكثير.