يمضي المخرج المصري شريف البنداري (الصورة) في فيلمه الوثائقي «في الطريق لوسط البلد»، في رحلةٍ تقدّم وثيقة جمالية عن المكان ببشره وحجره وتواريخه. يستعين المخرج بكل ما يحتاج إليه لجعل هذا التوثيق قادماً من زوايا وملامح متعددة، مراهناً على تخطّي «وسط البلد» في القاهرة للبعد الجغرافي إلى ملتقى لأزمنة عديدة، يختلط فيه الماضي بالحاضر. التقاط نبض «وسط البلد» يعني الإمساك بنبض بلد بأكمله.


ولتحقيق ذلك، يبدأ البنداري من ألعاب صغيرة تتحرك على الأرصفة بين أرجل المارة. ثمّ تبدأ الرحلة التي تقوم بها شخصيات متعدّدة، وكلّ واحدة، تمثّل ملمحاً من ملامح هذه المكان.
نقع على الشخصيّة الأولى عالقة في سيارتها وسط الزحام بينما تكون متوجهة للقاء أحد ما. ستكون الزحمة كفيلة بتفويت موعدها؛ إذ لا تتمكن من إيجاد مكان تركن فيه السيارة. الشخصية الثانية رسام، نجده يشتري أفلاماً للرسم والتخطيط، مروراً بالروائي المصري مكاوي سعيد الموجود في متجر للأنتيكات والوثائق، ونبشه برفقة صاحب المتجر تاريخ مصر وقصصها، من خلال ما يحتويه ذلك المتجر، من ملصقات، وعلب، وصناديق، وأوراق، وصولاً إلى الأسطوانات الموسيقية، ومنها أغنيات سيد قشطة. يمرّ الفيلم أيضاً على صاحبة مطعم «أسترويل»، بخصوصيّة ذلك المطعم وروّاده. سنمرّ كذلك بصاحب مشروع خاص بتوثيق مباني وسط البلد وتأريخها، وصولاً إلى باعة الأرصفة وأهازيجهم.
يسير الفيلم وفقاً لخمسة خطوط سردية، أو خمس طرق تلتقي كلّها في وسط البلد، ما يضع المشاهد أمام تنويعات ومقاربات مختلفة لهذه المنطقة. نكتشف بشراً لا يفارقون المكان بسبب قدرته المذهلة على أن يكون متناغماً مع أسلوب حياة كل واحد منهم.
من الواضح أنّ الفيلم صوّر قبل الثورة المصرية، أو أنّ جزءاً كبيراً منه أنجز قبل ذلك. حضور هذا الحدث يكون ملحقاً، لكن من دون أن يكون مقحماً. يظهر بشيء من الاستدراك الذي لا يُخلّ ببنية الفيلم الجميلة. سنشاهد مجموعةً من الأطفال تغنّي أغنية نقدية في الميدان، ونرى من يُعيد طليَ سورٍ من أسوار الميدان، وصولاً إلى نقاش سريع مع بعض المعتصمين بعد رحيل حسني مبارك. لا يعود شريف البنداري إلى صور أرشيفية للثورة، وهذا جيد. ذلك الخيار كان سيسيء إلى الفيلم، ويخرجه من سياقه ذي الهدف الواضح والصريح، المتمثل بتقديم وثيقة جمالية محكمة لوسط البلد. في هذا الوثائقي، يجعل الشهادات الموثّقة فعل عيش وأسلوب حياة.