ماذا يبقى من المدن حين يأتي العمران على حساب الروح؟ يكفي أن نتأمّل في «إعادة إعمار» بيروت التي تعرّى من نفسها كلّ يوم أكثر، على أنغام: البزنس بخير، لبنان بخير. إنّها لمعادلة فريدة: ذهنيّة رعويّة في زمن العولمة، ونفسيّة تاجر الكشّة في عزّ هيمنة السوق. الحصيلة بلد مقامر وانتحاري، تحرّكه المصالح الضيّقة والأهواء والعصبيّات. بلد كل شيء فيه للاستثمار والبيع: القضايا الكبرى قبل سواها. تقول لوزير الثقافة: سيقفل «مسرح بيروت»، يجيبك: ما همّ، سنبني أوبرا بدلاً منه.


«أوبرا»؟ كما ننتظر «المكتبة الوطنيّة» منذ سنوات على الأرجح. كما ستبنى «دار الثقافة والفنون» (هل يعرف عنها شيئاً؟). كما تعمل الدولة بكل قواها على تطوير الكونسرفاتوار الوطني وتحديثه. كما ينتظر الـ«بيكاديللي» أن يأتي مستثمر ويبتلعه. كما ستفاجئنا شركة بريطانيّة بفندق سوبر دو لوكس مكان «التياترو الكبير».
معالي الوزير لم يكن قد سمع بقضيّة «مسرح بيروت» من أساسها، حين ذهبت إليه زميلتنا. نشط واستفسر وأصدر بياناً، واعتبر أن مهمّته تنتهي هنا. الذنب ليس ذنبه، بل ذنب المؤسسات الهشّة وديموقراطيّة المحاصصة. يفترض بوزير ثقافة آت من المشروع السياسي الذي ينتمي إليه غابي ليّون، أن يجعل من الدفاع عن التراث المادي وغير المادي لبيروت ولبنان قضيّته الأولى. كلا، معالي الوزير، لستَ «غلبان»، بإمكان وزارتك وحكومتك أن تنقذ هذا المكان الذي لن يعوّضه أي مبنى آخر من زمن «الإعمار». لعلّك سمعت بـ«غودو» الذي دعاه عصام محفوظ وشكيب خوري ذات مرّة إلى «مسرح بيروت»، يوم كانت المدينة مختبر الحريّة والنهضة والعدالة والعروبة. هل تعرف بطل بيكيت الشهير، سيّدي الوزير؟ الشباب الذي سيحتشد غداً، تحت نافذتك، يطالبك بحماية ذاكرة «غودو» من غزو الهمبرغر والبترودولار ... تلك مهمّة وزير الثقافة أساساً! بوسع الدولة أن تستملك «مسرح بيروت». اتركوا لنا بقيّة روح في هذا الماخور العظيم.