بين خريف 2009 وخريف 2011، عاش «مسرح بيروت» حياةً قد تكون الأخيرة في سلسلة حيوات طبعتها تقلّبات المدينة التاريخية والسياسية. حين أعاد عصام بو خالد وإبراهيم أبو خليل وطارق عمّار وفرقة «ديسي بل»، افتتاح المسرح قبل عامين، شكّك كثيرون في استمرار المبادرة، لكنّ البرمجة العفويّة حوّلت المكان منبراً لتجارب جديدة وشابّة مثل «كتيبة 5»، و«الطفّار»... «مهرجان بيروت للرقص المعاصر» اتخذ أيضاً من المسرح إحدى محطّاته، وقدّم ربيع مروّة «كيف بدّي وقّف تدخين»، وفائق حميصي «كلّ هذا الإيماء»...


ضمن البرنامج الوداعي الذي يحضتنه المسرح، قدّم الثنائي عصام بو خالد وفادي أبي سمرا «صفحة 7». قد يكون العرض بنبرته العبثيّة الخاتمة الأكثر رمزيّة لمسيرة أربعة عقود أُقفِل فيها باب «مسرح بيروت» مراراً. مصير المكان «علقان بالنصّ» تماماً كشخصيتَي عصام وفادي الهاربتين من عوالم بيكيت. لطالما كان «مسرح بيروت» فضاءً لتقلبات التاريخ اللبناني، وفصوله العبثيّة منذ تأسيسه عام 1965 على يد سعيد سنو وزوجته. هذا الفضاء مثّل «علامة تأسيس في الستينيات، مع جيل من المسرحيين، فتحوا المسرح على إعصار التغيير والتحول، الذي صنعته الأفكار اليسارية الجديدة، وتداعيات الهزيمة الحزيرانيّة» يكتب الياس خوري في مقدّمة كتاب حنان الحاج علي «تياتر بيروت» (أمار).
حياة المسرح الأولى بدأت مع مسرحيّة غبريال بستاني «عودة أدونيس» في 6 نوفمبر 1965. كُتب العمل بالفرنسيّة، وأخرجه ميشال غريب، وتقاسم أدواره مع روجيه عساف، وتيودورا راسي، ومود عقل... لكنّ المكان سرعان ما احتضن جيلاً يريد صناعة مسرح بالعربيّة، ويبحث عن تدعيم مكانته وسط الفئات الشعبيّة. هكذا، شهد «مسرح بيروت» نواةً لسجال فكري عن الهويّة، وسط مدّ عروبي يساري جعل المدينة ملجأً لفصائل المقاومة الشعبية بعد نكسة 1967. كان هذا التاريخ مقدّمة لبزوغ المسرح الطليعي، مع أنطوان ملتقى، ومنير أبو دبس، وشكيب خوري، وبيرج فازليان، وجيرار أفيديسان، وجلال خوري، وروجيه عساف، وأنطوان كرباج، وريمون جبارة، ومادونا غازي، ونضال الأشقر...
في عام الهزيمة، احتضن المسرح عمل عصام محفوظ «زنزلخت»، الذي أخرجه برج فازليان، وتألقت فيه حفنة ممثلين أولهم ريمون جبارة... وتوالت التجارب مع جلال خوري («جحا في القرى الأماميّة» /1971 مع نبيل أبو الحسن). وفيه ولد عام 1968 «محترف بيروت للمسرح» مع نضال الأشقر وروجيه عساف، ليشهد عام 1969 معركة «مجدلون»، ويتكرّس فضاءً للمسرح السياسي الملتزم. بلغ المسرح أوجه مع «المحترف» في أعمال مثل «كارت بلانش» و«إضراب الحراميّة» قبل أن تنتهي التجربة عشيّة الانفجار الكبير. بعد اندلاع الحرب الأهليّة، صار «مسرح بيروت» ثكنة حيناً، ومنبراً سياسياً أحياناً، لكنّ «مسرح الحكواتي»، الذي أسسه روجيه عساف عام 1977، أعاد الحياة إلى المكان. عرض المسرحي الرائد هناك عمله «أيام الخيام»، قبل الاجتياح الإسرائيلي الثاني، فاتحاً المسرح لأهل المناطق المهمّشة. خرج «الحكواتي» من «مسرح بيروت» بعد نهاية الحرب، لتدخل الخشبة مرحلة أخرى قادتها جمعيّة «فنون» بين 1992 و1998.
ضمّت الجمعيّة مثقفين ومبدعين بينهم الياس خوري، وهدى سنّو، ونوّاف سلام، وسمير قصير، جعلوا المسرح رمزاً للحفاظ على ثقافة بديلة في مواجهة مشروع «إعادة الإعمار»، والمحو المنهجي لذاكرة الحرب. وراهن الفضاء على تجارب مسيّسة مع «مذكرات أيوب» لروجيه عسّاف عن نصّ لإلياس خوري، و«الاغتصاب» لجواد الأسدي، وأفلام ميشال خليفي، وجان شمعون، وعمر أميرلاي، ومحمد ملص... وأمسيات لأدونيس، ومحاضرات لإدوارد سعيد وقسطنطين زريق، ونوام تشومسكي، احتفاءً بالذكرى الـ 50 للنكبة عام 1998.
مع نهاية التسعينيات، سلّمت «فنون» الشعلة لـ«الجمعيّة اللبنانيّة للفنون المعاصرة» ومؤسستها باسكال فغالي. دأبت الأخيرة على تنظيم «مهرجان أيلول» حتى 2001، مؤكّدة على دور «مسرح بيروت» في احتضان تجارب طليعية، وأعمال تنتمي إلى الفنّ المعاصر. بعد ذلك، شهد المسرح ولادة جمعيّة «شمس»، التي خلقت مساحة للتفاعل بين أجيال مختلفة حتّى انتقلت إلى مسرحها الخاص في الطيّونة (دوار الشمس). هكذا أقفل المسرح سنوات قبل إعادة افتتاحه عام 2009. اليوم، يبدو مصير «مسرح بيروت» معلّقاً، كأنّ هذه الصالة الصغيرة التي احتضنت مشاريع التأسيس، والأحلام الكبرى، محكومة بالعودة إلى سؤال البدايات.
سؤال المصير مطروح مجدداً على خشبة كتب إلياس خوري في «تياتر بيروت» أنّها «صارت اسماً آخر للمدينة التي نفضت عنها الدمار، كي تواجه حقيقتها المأساوية بتلك الشجاعة النادرة التي لا يصنعها سوى الفنّ».