القاهرة | كان مدير مكتب «الجزيرة» في القاهرة عبد الفتاح فايد أوّل من اتهم المعتصمين بالبلطجة خلال المواجهات التي حصلت الشهر الماضي، في وقت كان فيه هؤلاء يتعرضون للاعتداء في ميدان التحرير. أما في أحداث مجلس الوزراء الأخيرة، التي أدّت إلى سقوط قتلى وجرحى، فاكتفى الإعلامي المصري باستقبال ضيوف تخصصوا في مهاجمة المتظاهرين، وامتداح المجلس العسكري... وإذا عُرف السبب بطُل العجب.


بصفته إعلامياً، يصعب على عبد الفتاح فايد أن يعلن أيّ انتماء «رسمي» إلى جماعة «الإخوان المسلمين»، لكن ربما لا يعرف شباب الثورة، أن فايد عمل رئيساً لقسم الأخبار والتحقيقات فترة طويلة في جريدة «الشعب»، التي كانت تنطق باسم الجماعة في القاهرة. وبقي عضواً في مجلس تحرير المطبوعة حتى 1998. بعد «الشعب»، سافر فايد للعمل في مؤسسات صحافية خليجية، قبل أن يستقر في «الجزيرة» في الدوحة قبل أربع سنوات. ثم تولى إدارة مكتبها في القاهرة خلفاً لحسين عبد الغني.
عندما اندلعت «ثورة 25 يناير»، قدّمت «الجزيرة» أفضل تغطية، وإن لوحظ أنّ متابعتها للأحداث تصاعدت مع مشاركة «الإخوان المسلمين»، أي في اليوم الرابع للثورة. وعندما بدأت الانقسامات بين القوى الثورية، اختار مكتب القناة في القاهرة الانحياز للجماعة، حتى أطلق البعض ساخراً اسم «الجزيرة مباشر ــ إخوان» على قناة «الجزيرة مباشر ــ مصر». أما في 28 من الشهر الماضي، وفي نهاية اليوم الأول من الانتخابات، فقد هاجم البلطجية الاعتصام المقام في ميدان التحرير احتجاجاً على مقتل 43 شاباً في شارع محمد محمود. يومها قال عبد الفتاح فايد إن «أطرافاً في التحرير تتبادل القتال بزجاجات المولوتوف والأسلحة البيضاء»! ثم وصف الأحداث بأنها «معركة بين الباعة المتجوّلين وبعض المعتصمين غير المعروفة انتماءاتهم». وقتها كانت الانتخابات قد بدأت، وبدأ معها التطابق التام بين تغطية مكتب «الجزيرة» في القاهرة، وقناة «مصر 25» الناطقة بلسان الإخوان. لم يكن التطابق في التذمّر من المعتصمين فحسب، بل أيضاً في المديح المفرط للعملية الانتخابية، وتجاهل المخالفات والانتهاكات التي شابتها، إلى درجة تجاهل القناتين أخباراً مهمة، مثل اعتذار أكثر من 100 قاض عن عدم الاستمرار في الإشراف على الانتخابات، بعد الاعتداءات التي تعرض لها بعضهم. إلى جانب تجاهل الفوضى التي أدت إلى بطلان نتائج عدد كبير من الدوائر، لكن ذلك لم يظهر على «الجزيرة»، ولا على قناة «مصر 25» الإخوانية. وبدت الانتخابات في القناتين «عرساً ديموقراطياً»، تماشياً مع رغبة الإخوان في أن تطغى الانتخابات ــ ونتائجهم فيها ــ على أيّ حدث آخر. انتهى اعتصام التحرير، واكتفى المعتصمون بنصب بعض الخيم أمام مجلس الوزراء، حتى اندلعت الأحداث الأخيرة التي سقط فيها عشرة متظاهرين، وأصيب خلالها المئات. وبدا واضحاً ارتباك مذيعي القناة في قطر. إذ كان الضيوف الذين أطلوا من مكتب القاهرة يرددون معزوفة واحدة، مفادها أن التظاهرات تحركها القوى الليبرالية، التي خسرت في الانتخابات لتعطيل الانتقال الديموقراطي. وزاد أحد هؤلاء الضيوف ــ محمود معوض ــ قائلاً «إن الشعب المصري كله رأى ضابط الشرطة العسكرية كيف يعامل المصريين بكل رفق واحترام أثناء الانتخابات». كان معوض ــ المحرر البرلماني في صحيفة «الأهرام» ــ يقول ذلك في وقت يتصاعد فيه عدد القتلى في الخارج. ولم يكتفِ بذلك، بل طلب من المشاهد أن يربط بين تكرار أحداث العنف ونتائج الانتخابات: «تزامنت أحداث محمد محمود مع نتائج الجولة الأولى، وأحداث مجلس الوزراء مع نتائج الجولة الثانية». والواقع أنّ أحداث «محمد محمود» (19 تشرين الثاني/ نوفمبر) كانت قبل تسعة أيام من بدء الانتخابات نفسها (28 تشرين الثاني/ نوفمبر)، لكنّ فايد لم يصحح للضيف، ولم ينبّه المذيع، بل كرر ضيفه التالي (الصحافي عادل صبري) في اليوم الموالي المزاعم نفسها. ومرة أخرى يزول العجب عندما نعرف أن الضيف الأول (معوض) يكتب ــ مثلاً ــ تحت عنوان «النكبة في النخبة» في جريدة «الأهرام» أن «الإخوان المسلمين، هو التنظيم الوحيد الذي لا يستحق لقب فلول مبارك». بينما يقضي صبري وقته في انتقاد ما يعرف «بقوائم الكنيسة في الانتخابات»، وهي شائعة بثتها تيارات دينية في سياق حربها ضد الأحزاب الليبرالية. ورغم أن صبري ينتمي إلى جريدة «حزب الوفد»، إلا أن قادة الحزب ــ الذي كان ليبرالياً قبل أن يصبح من ديكور نظام مبارك ــ غاضبون هذه الأيام من ذهاب أصوات الأقباط إلى تحالف «الكتلة المصرية».
كانت «الجزيرة» داعمة للإخوان قبل الثورة بوصف الجماعة أكبر فصائل المعارضة. الآن، لم تعد الجماعة كذلك، رفع عنها الحظر وتمتلك صحيفة توزع عشرات الآلاف وقناة تلفزيون، لكن يبدو أن دعم القناة للجماعة، قد انتقل من خانة الإعلام، إلى ملعب السياسة.




«الجزيرة مباشر ــ إخوان»

منذ انطلاق تغطيتها للثورة المصرية، بدت قناة «الجزيرة مباشر ــ مصر» منحازة إلى «الإخوان المسلمين». هكذا كانت تغطي التظاهرات المحدودة التي يشارك فيها «الإخوان»، بينما تستضيف أعضاء الجماعة لانتقاد المليونيات التي يقاطعونها، مركّزة على بعض المشاكل التي شابت هذه التحركات «اللا إخوانية». ولعلّ خير مثال على ذلك كان تركيز الكاميرا فترة طويلة على مشاجرة في طرف ميدان التحرير بين بعض المتظاهرين أو بعض الباعة. وبعد إغلاق القناة ــ بحجة عدم الحصول على التراخيص اللازمة ــ انتقلت هذه التغطية المنحازة بثقلها لتستقر في المكتب الرئيسي للفضائية القطرية في القاهرة.