«بسرعة أكثر من الموت» هو عنوان الديوان الجديد للشاعر بوزيد حرز الله (دار الحكمة، الجزائر). ديوان متعدّدٌ وملتبسٌ مثل صاحبه تماماً. بوزيد حرز الله ليس سبعينيّاً رغم أنّه صاحب شعراء السبعينيات في الجزائر، وهو بعد فتى. وليس تسعينيّاً رغم أنّ التسعينيين، كلما حلّوا بوادٍ ألْفَوه بين ظهرانَيْهم. إنّه شاعر عابر للأجيال والأشكال. يتقدّم حرز الله في هذا الديوان متخفّفاً من كلِّ التصنيفات، لتتجاور لديه الأنماط الشعرية في دَعَةٍ وانسجام. فالقصيدة العمودية، وقصيدة التفعيلة، وقصيدة النثر، ترفل في هذا البستان الشعري جنباً إلى جنب. لكأنّ ابن كلثوم، والسياب، وأنسي الحاج أبناء الحيّ والعشيرة. هكذا هي قصيدة حرز الله: لا تكترثُ بغير الشعر. ولهذا تنساب دونما تكلّف. فهو يكتبها من وحي الحياة مباشرة. يكتب عن أصحابه وحبيباته وأطفاله، ولا يتردّد في تقديم نفسِه قرباناً للقصيدة. الشاعر هشّ بطبعه. وحرز الله لا يتنصّل من هذه الهشاشة، بل يحتفي بها في قصائده. كما لو يقفُ وحيداً في قارعة الحياة، كطفلٍ يحصي سنوات عمره بأصابعه، ليكتب حيرته الوجودية بحبر القلق واللايقين: «بلغتُ الخمسين من اللحظات/ كَمْ يا عمْرُ تبقّى/ كي أنسى أنّي لم أكتب بعد؟».


وحينما يكتب عن وطنه، يتعظّم الوطن ليفيض على الخريطة. لا خرائط في قلب الشاعر. فهو سليلُ مفدي زكريا، ووارثُ سرّه. ابن المغرب الكبير. لا يدع فرصةً تمرّ دون أن يعرب عن ضيقه من الحدود التي تفرضها السياسة بين الأوطان المغاربية، وخصوصاً بين الجارين الشقيقين المغرب والجزائر: «لنا وَطَنان/ كمْ بَعُدَا بِقُرْبٍ؟/ وكَمْ قَرُبَا بِحُبٍّ يحتوينا/ فإنْ رسموا لنا ـ قَهْراً ـ حُدوداً/ فَلَنْ يَئدُوا/ بِخَاِفقِنَا الحنينا».
إنها أيضاً أجراس الحنين إلى القصيدة العمودية يقرعها الشاعر، وبغير قليلٍ من الاعتداد، مستجيراً بأحد فرسانها الكبار: «يا أيُّها المتنبّي دُلّني/ فأنا/ نَحَتُّ مثلك أشعاري من الحمم». ودونما انشداد تقديسيّ للعروض يبشّر حرز الله بربيع عربيّ في القصيدة، من خلال رسالة شعرية إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي: «اختصاراً للكلام/ الشعر/ يريد/ إسقاط/ النظام».
هكذا هو بوزيد حرز الله، وهكذا هي قصيدته: تسكّع يستخفّ بالوجهات. وثورة ضدّ أوزان يملك الشاعر مفاتيحها ليكتب قصيدة نثر صافية، كأنه يقول لسدنة الأنماط: القصيدة تكتسي جمالها من جوهرها لا من مظهرها، من روحها لا من شكلها.