يقف يوسف عقيل كمالك الحزين على ساق واحدة، بلا سماء تمتحن جناحيه. ساعة تلتقيه، تخاله قد انتهى للتو من مأدبة الحياة العامرة، ولم يُمحَ بعد أثر حبرها الدسم الملتمع عن شفتيه وأصابعه. في معرض لوحاته الزيتية الذي تستضيفه «غاليري كارما» في مدينة حلب، تتعقّب الحمام المذعور الذي يظهر كنقطة بيضاء في سديم لوحاته، مفجراً مأزقه في ثنائية صلبة، مرتعدة كأنّها العدم. تقفز إلى الذهن على الفور الحمامة الأشهر على مر التاريخ: حمامة نوح، وقد انطلقت تبحث عن يابسة ترخي بعدها الأشرعة، وترمي المرساة، ليهبط الناجون من امتحان الطوفان الحاسم. وحيدة طيوره على الدوام، تترك أشجارها الوارفة وأعشاشها الدافئة، وربما صغارها، وتفر من رعب لا مرئي. في سمائه، يَسبحُ الطير ولا يُسبّح. بصبر يكتشف أرضه المحروقة، ويكابد ألمه وهو بين الأرض والسماء. طير يعترض أنثاه المتوثبة للهروب: لا تتركيني وحيداً! طير يتأمل سماءه وقد تشققت كجدار كلس رطب. ولن يسعفك وقت بين طلقتين، أو عاصفتين، لتسأل: ما الذي يدفع بالحمام إلى الفرار؟ عبثاً تبحث عن لون يدلّ على عالم الطير، لا زرقة في السماء، ولا اخضرار في الشجر، ولا بنيّ متدرجاً يغربل الأرض من رملها وحصاها.

بأناة ومزاج لوني آسر، يكتب يوسف نصه البصري، معتمداً على إيهام المتلقي بحيادية تأملية، متكئة على الفضاءات الوجدانية القادمة من عالم اغتراب الرهبان والمتصوفة وعزلتهم. وأنت تتأمل تحس بقشعريرة تسري رويداً رويداً في عظامك. تغافل اللوحة/ المشهد، وتلتجئ إلى كوة يتسرب منها نور، يأخذك إلى من يعجن غضار الزمن وينفخ في طين التاريخ، قبل أن يرميه تحت شمس الحياة المتجددة.
يقدم يوسف عقيل الزهور كقيمة أخلاقية: الجمال في مواجهة القباحة، السامق في مواجهة الدون، غنى اللون وطاووسيته أمام أحاديته الغرابية.
راهن دستويفسكي مرةً على أنَّ الجمال سينقذ العالم. الزهور المعتقلة، تحتضن بعضها، لتخفف عن نفسها صقيع الوحشة، وتموت متحدة بألمها. هذي ليست زهوراً تزيينية فحسب، إنّها كائنات حية. يغدر بك يوسف عقيل ببهاء اللوحة فتقترب لتشم الزهرة، وتركع على ركبتيك لترثي زهرة باتت خارج الحياة. يعاين عقيل المشهد المروّع، كأنّه يرى أن من واجبه التذكير به ورثاءه في آن. كأنّها ميت معبود، لا يرغب محبوه في سفح التراب على جسده المسجى، يحتفل أهله بساعاته الأخيرة بينهم، يلبسونه أجمل ثيابه، يسرحون شعره، يحلقون ذقنه، يعطرونه بالطيب والرياحين... لا لتأخير دفنه، بل لبعثه حياً!




معرض يوسف عقيل: حتى 31 كانون الأول (ديسمبر) الجاري ـــ صالة كارما (حلب/ سوريا). للاستعلام: 963212662898+