الوضع يتداعى؛ المركز لم يعد قادراً على الصمود

ييتس (Yeats)

شيء مستغرَب يحدث حالياً في لبنان. فكل المسؤولين يحذّرون من خطورة الوضعين المالي والاقتصادي عامة، وضرورة تنفيذ إصلاحات عاجلة. الرؤساء والوزراء والنواب يحذّرون، ومعهم أي مسؤول أو مرشّح للانتخابات يُعطى فرصة الإدلاء بتصريح للإعلام أو الوقوف أمام كاميرا التلفزيون. ورئيس الحكومة نفسه يطالب منذ فترة بتخفيض النفقات 20%.

واللافت والأهم في الأمر أن صندوق النقد الدولي، المعروف بتعابيره الدقيقة ودوماً الملطّفة، استعمل أخيراً تعابير تحذيرية حادة وغير معهودة في تقريره الأولي الذي صَدَرَ إثر زيارته التقويمية السنوية للبنان منذ أسبوعين تقريباً. ومن هذه التعابير «الضرورة القصوى (urgent) لاتخاذ إجراءات تصحيحية»، و»وجوب البدء فوراً (immediately) بتصويب السياسة المالية»، وكذلك «سياسات مصرف لبنان تؤدي إلى تشوّهات في السوق (market distortions)».
الغرابة في الأمر، أنه بالرغم من كل هذه التحذيرات الواضحة والمتصاعدة بنبرتها، يأتينا مشروع موازنة عام 2018 بعجز قياسي يتجاوز 7 مليارات دولار، يصاحبه ارتفاع ملحوظ في الدَين الحكومي، وكأن كل التحذيرات ليست سوى صدى في صحراء. والغرابة تزيد في ظل طرح هكذا موازنة قبل أسابيع فقط من انعقاد مؤتمر دولي يطلب فيه لبنان دعماً مالياً بمليارات الدولارات، فيما سيكون بالتاكيد من أول شروط تلبية طلب الدعم هذا تنفيذ إصلاحات مالية.

مصدر العجز القياسي

بلمحة سريعة، أولاً، على نتائج عام 2017: من المتوقع أن يكون العجز لعام 2017 أعلى بكثير من 3 مليارات دولار المذكورة في الجدول المرفق والمستندة إلى أرقام الأشهر العشرة الأولى كما نشرتها وزارة المال، وبالرغم من واردات استثنائية تقارب 900 مليون دولار كضريبة على أرباح استثنائية للمصارف تعدّت 5 مليارات دولار نتيجة «الهندسة المالية» لمصرف لبنان خلال النصف الثاني من عام 2016. والسبب يعود إلى عادة محاسبية تلجأ إليها الوزارة أحياناً والتي تقضي بإدراج نفقات شهر أو أكثر من أواخر العام ضمن نفقات العام التالي لتخفيف حجم العجز. لذلك، قد يكون العجز المالي الفعلي لعام 2017 أكبر من 4 مليارات دولار، وهو رقم مرتفع.
من الواضح في الجدول المرفق، أن العجز الكبير في مشروع موازنة عام 2018 مردّه إلى الارتفاع القوي في النفقات نسبة إلى الارتفاع العادي في الإيرادات، علماً بأن الإيرادات تكون عادة أقل من المتوقع والعجز أكبر. والمشكلة الكبرى في هذا العجز القياسي لا تكمن في حجمه فحسب، بل أساساً في أن مصدره ليس نفقات استثمارية، على البنية التحتية مثلاً، لتحسين الإنتاجية الاقتصادية، بل نفقات جارية من رواتب وفوائد على الدّين وتحويلات ذات منفعة مشكوك بها. أما النفقات الاستثمارية لعام 2018 والتي تبدو مرتفعة نسبة إلى السنوات السابقة، فهذا أمر اعتيادي في مشاريع الموازنة، إذ عادة ما يكون حجم التنفيذ الفعلي أدنى بشكل ملحوظ من الأرقام في الموازنة.

خدمة مصالح سياسية وشخصية

انظروا بالأخص إلى كلفتَي الرواتب والتحويلات التي ارتفعت بشكل غير اعتيادي في مشروع الموازنة، وهي نتيجة لقرار سياسي مدروس يهدف الى خدمة مصالح سياسية وشخصية بأموال المواطن اللبناني. يريدون ضبط النفقات وتصحيح الوضع المالي، وفي الوقت نفسه يزيدون التوظيف في القطاع العام بعشرات الآلاف، حتى أصبح القطاع العام متخماً بأتباعهم، وأصبحت رواتب الذين في المرتبات الإدارية العليا تنافس من يقابلهم في الولايات المتحدة وفي البلدان الأوروبية الكبرى. ولغاية الساعة، لا يعرفون حتى الكلفة التقريبية لسلسلة الرواتب والأجور الجديدة. يريدون ضبط النفقات وتصحيح الوضع المالي، وفي الوقت نفسه يزيدون النفقات الاستهلاكية والتحويلات، التي يذهب حوالى نصفها إلى مؤسسات عامة، كمغارة الضمان الاجتماعي، والنصف الآخر إلى مغارة أخرى من المؤسسات الخاصة والأفراد. وكل هذا من أموال المواطن.
حالياً، تجري لجنة وزارية محاولات حثيثة لتخفيض الإنفاق والعجز تجاوباً مع طلب رئيس الحكومة تخفيض الإنفاق 20%. إنها محاولة جيدة، إنما للأسف ذات أفق محدود. فالتخفيض لا يمكن أن يطال كلفة الفوائد والرواتب والتحويلات إلى مؤسسة كهرباء لبنان وبنود أخرى عديدة. لذلك، لن تؤدي هذه المحاولة إلى تخفيض النفقات والعجز بأكثر من مليار دولار. في كل الأحوال، من الأرجح أن تكون أي تخفيضات في النفقات هامشية وأن يبقى العجز مرتفعاً بشكل لافت خلال عام 2018.

العيش بأكثر من قدرة الاقتصاد

إن التركيز على الموازنة والوضع المالي لا يعفي من ضرورة التركيز أيضاً على الوضعين النقدي والمصرفي، والذي بالتأكيد لا يقل أهمية عن الوضع المالي. لقد كان صندوق النقد الدولي واضحاً، وبشكل غير اعتيادي، حين أشار إلى زيادة المخاطر على المصارف من جراء «الهندسات المالية» لمصرف لبنان، القائمة حتى الآن، بالإضافة إلى الكلفة العالية لتلك الهندسات ووقعها السلبي على ميزانية مصرف لبنان نفسه. هذا مع العلم بأن أياً من مجلس النواب أو مجلس الوزراء أو أي جهة رسمية لم يجرِ أي مساءلة لسياسات مصرف لبنان منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي.
تعيش الدولة اللبنانية، بكل مؤسساتها، منذ سنوات عديدة بأكثر من قدرتها وقدرة الاقتصاد، والنتيجة لا يمكنها أن تكون إلا وخيمة. نحن بحاجة قصوى وسريعة، ومهما كانت السياسات المعتمدة، إلى إجراءات جذرية تضبط النفقات وتضع العجز على منحى انحداري لعدة سنوات وذلك لتخفيض المخاطر على الليرة وعلى الجهاز المصرفي. وهكذا قرار بحاجة إلى سياسة مسؤولة وليس إلى شعارات. أما الواقع السياسي الحالي، فهو واقع صراع على مصالح سياسية ولامبالاة تامة بالأخطار المتصاعدة على الاستقرار المالي والنقدي، ولتذهب مصالح الناس إلى الجحيم!

-7,051 مليارات دولار

هي قيمة العجز المقدّر في مشروع قانون موازنة عام 2018، أي ما يوازي نسبة -12.5% من مجمل الناتج المحلي، وكأن كل التحذيرات ليست سوى صدى في صحراء

="" title="" class="imagecache-465img" />
المصدر: منشورات وزارة المالية، www.finance.gov.lb | للصورة المكبرة انقر هنا