«إن أيّ أمة بدون إقامة دولة... ليس لديها تاريخ- مثل الأمم التي وجدت قبل قيام الدول، ومثل تلك التي لا تزال تعيش في حالة من التوحش»

ج. ف. هيغل

هناك ظواهر عدّة في الاقتصاد والمجتمع اللبنانيين تبيّن مدى عمق الأزمة الاقتصادية السياسية لنظام الطائف. بعض تجليات هذه الأزمة لديها خاصية خاصة جداً بهذا النظام، حيث أمور عادية مثل «مرسوم حراس الأحراج» يتحول إلى مأساة، ومرسوم «تثبيت موظفي الدفاع المدني» يتحول إلى مهزلة... أو مثل وجود هذا الكمّ الهائل من المياومين في القطاع العام في مقابل نقص حاد في ملاكات وظائف الدولة، وغيرها من المفارقات التي لا نجدها في الدول العصرية، التي نشأت غالبيتها بعيد الحرب العالمية الثانية. وبعض هذه التجليات لديها أيضاً ارتباط وثيق بالتفاعل بين نظام الطائف السياسي وسيطرة طبقة الـ 1% على الاقتصاد اللبناني، ومنها تحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد خدماتي - مالي متدني الإنتاجية بعد انحسار التصنيع (deindustrialization) مع ارتفاع في ظاهرة العمل غير النظامي وهجرة العمال والشباب وارتفاع الدين العام، وصولاً إلى انقطاع التيار الكهربائي، في بلد أصبح على عتبة دخول نادي الدول المرتفعة الدخل، بينما تذهب كل فترة وأخرى حكوماته المتعاقبة منذ 1992، مثلها مثل حكومات الدول الفقيرة، لطلب المساعدات والهبات والقروض من الدول الغنية والنفطية والمؤسسات الدولية، كما حدث في باريس 2 و3 وروما والآن في «باريس 4».

الطبقات الوسطى والعاملة كانت اليوم ستكون حصتها من الناتج أكثر بـ 10 مليارات دولار سنوياً لو لم يتدهور وضعها خلال الحرب وبعد عام 1992


ما لا شك فيه أن النظام الطائفي لديه أكلاف اقتصادية، وقد حاول تقرير البنك الدولي الصادر عام 2016 تحت عنوان «تعزيز الرفاه المشترك» أن يستعرض بعض هذه الأكلاف المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالنزاعات الإقليمية وبنظام الحوكمة الطائفية، الذي قال عنه التقرير إنه يعيق الإصلاحات ويشلّ القطاع العام ويؤدي إلى استثمارات أقل في البنية التحتية. إن هذه الشواهد تجعلنا نسأل: هل انتقلنا بعد الحرب الأهلية إلى نظام أفضل أم أسوأ اقتصادياً؟ وما العلاقة بين ذلك وطبيعة النظام الطائفي التي تغيرت بعد اتفاق الطائف. في هذا الإطار سأطرح بعض الظواهر التي استشرت منذ 25 عاماً، والتي يمكن رفعها إلى مستوى أن تكون مسلّمات اقتصاد نظام الطائف.

* المسلمة الأولى
الاقتصاد اللبناني كان أفضل قبل الطائف. فعلى الرغم من سيطرة الطغمة المالية، كما كان يُسمى الراسمال المالي آنذاك، إلا أنه على الأقل لم يستعمل الدولة كأداة لتكنيز ومراكمة الثروات كما فعل هذا الرأسمال في دولة الطائف من خلال الاستدانة العامة وتركز حاملي سندات الدين الحكومية في يد المصارف والأثرياء. فمن خلال هذا التراكم في النظام الجديد تحول الرأسمال المالي فعلاً إلى طغمة مالية! في الوقت نفسه تراجعت حصة الأجور من الناتج المحلي من 50% في السبعينيات من القرن الماضي إلى حوالى الـ 28% حالياً، أي إن الطبقات الوسطى والعاملة كانت اليوم ستكون حصتها من الناتج أكثر بـ 10 مليارات دولار سنوياً لو لم يتدهور وضعها خلال الحرب وفي ما بعد عام 1992.

داريو كاستيليجوس ــ المكسيك

كما أن الصناعة والتصدير تراجعا في اقتصاد الطائف في عملية انحسار مستدامة أوصلت لبنان اليوم إلى هذا الاقتصاد الريعي الخدماتي المتدني الإنتاجية. وكأحد المؤشرات على هذا التراجع الكبير، التغير في العقلية لدى الأكثرية، وحتى لدى الشباب، باتجاه تبني الريعية كنهج تفكير وعمل. فاليوم من المستحيل قيام جمعية كجمعية الصواريخ اللبنانية التي تمكنت في عام 1963 من إطلاق صاروخ أرز-4 وصل إلى علو 140 كيلومتراً. فاليوم تسيطر في كل مكان عقلية الريادة غير المنتجة والمسيطر عليها من الرأسمال المالي، ولا مكان لهذه الأحلام الكبرى التي قد تخرق الرتابة المركنتيلية للاقتصاد اللبناني.

* المسلمة الثانية
نظام الطائف لا يمكن أن يُنتج «شهابية جديدة». إن اتفاق الطائف نقل النظام الطائفي من نظام الهيمنة إلى نظام شمولي. وأدى ذلك إلى أمرين أساسيين. الأول، انتهاء الدولة وفقدان فعاليتها وتحوّلها إلى هيكل عظمي مليء بالمتعاقدين والمياومين وأصبح من المستحيل، في ظل المحاصصة المذهبية على أقل الوظائف والتفاصيل، أن تتم استعادة الفترة الشهابية، حيث الدولة أقامت المؤسسات الكبرى وأدخلت جسماً كبيراً من الموظفين العموميين الذين يحملون لواء الصالح العام بدلاً من ألوية مصالحهم الذاتية والمذهبية. الثاني، هو فقدان الهوية الوطنية. فلقد كانت إحدى «حسنات» الاتفاق هي الزيادة الكمية في «العدالة بين الطوائف»، إلا أنها أفقدت اللبنانيين الشعور الوطني، الذي أدى بدوره أيضاً إلى تعطيل قيام الدولة بتقديم السلع العامة واتباع سياسات إعادة التوزيع؛ فكما يقول المعلق الاقتصادي في شبكة بلومبرغ، نواه سميث، فإن «هذه الأمور لا تعمل إذا لم يكن لدى الشعب هوية وطنية مشتركة». وكمؤشر على هذا الأمر التراجع في الاستثمار في البنية التحتية ذات الترابط المكاني، أي التي تمتد على المستوى الوطني، مثل الكهرباء والطرقات السريعة، واستبدالها بالمشاريع والبنى التي ليست بحاجة إلى «ترابط مكاني»، مثل المدارس وتعبيد الطرقات المحلية وجدران الدعم وتفريع المؤسسات الحكومية.

* المسلمة الثالثة
إن انحسار التصنيع في لبنان كانت له آثار سياسية بالغة الأهمية. وهنا أريد، لأهمية تحليله في السياق اللبناني، أن أستشهد مطوّلاً بمقالة الاقتصادي في جامعة هارفارد، داني رودريك، حول التصفية المبكرة للتصنيع (premature deindustrialization). يقول: «إن العواقب السياسية الناجمة عن انحسار التصنيع قد تكون غير واضحة للوهلة الأولى، إلا أنها كثيرة الأهمية. فالأحزاب السياسية الجماهيرية كانت نتاجاً جانبياً للتصنيع. والسياسة ستبدو مختلفة جداً عندما يُنظّم الإنتاج الحضري في شكل كبير حول الطابع غير النظامي عبر انتشار المؤسسات الصغيرة والخدمات الثانوية. في هذا الوضع يصبح من الصعب للمجموعات غير النخبوية أن تحدّد مصالحها المشتركة، ويواجه التنظيم السياسي عقبات أكبر، وتهيمن الهويات الشخصية أو العرقية على السياسة بدلاً من التضامن الطبقي. وبذلك لا تواجه النخب قوى سياسية يمكن أن تنظّم عموم الشعب. علاوة على ذلك، قد تفضّل النخب - ولديها القدرة على ذلك - اتباع سياسات فرق تسد، بالإضافة إلى استخدام الشعبوية وسياسات المحسوبية... ومن دون الانضباط والتنسيق الذي توفره التنظيمات العمالية، فإن احتمالات التسويات بين النخب وبين غير النخب الضرورية، من أجل استحداث التحولات الديمقراطية، تصبح أقل حدوثاً. لذا، فإن عملية التصفية الصناعية السابقة لأوانها قد تجعل الديمقراطية أقل احتمالاً وأكثر هشاشة».
لم يجد تيار المستقبل شعاراً إلا «الخرزة الزرقاء» لتحمي لبنان من حرائق المنطقة و«انهيارات العملة»


هذه الهشاشة تأخذ بالفعل أبعاداً أكثر درامية في لبنان. فأصبح النظام يعتمد على الريع والزبائنية والأعمال الخيرية والمساعدات والأعاجيب والغيب. وهنا لا أريد أن أفصّل في هذا الموضوع، لأن اللبنانيين يعرفون ذلك جليّاً في حياتهم اليومية كما في مستقبلهم المرهونَيْن لهذه العلاقات الما-قبل رأسمالية. ويتبيّن لهم ذلك جليّاً في الحملات الانتخابية، فلم يجد تيار المستقبل شعاراً إلا «الخرزة الزرقاء» التي تحمي لبنان من حرائق المنطقة و«انهيارات العملة في المنطقة». وانضم إليه من كان من المفترض أن يكون ممثّل الجزء الأكثر تقدماً من الرأسماليين، رئيس جمعية الصناعيين بقوله: «الصناعة نبض الاقتصاد»، لذلك هي بحاجة إلى «خرزة زرقا»! واتخذ رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي مؤخراً موقفاً شعبوياً في موضوع مخصصات النواب السابقين بتقديمه اقتراحاً بإلغائها. وهذا أمر يشارك في إشاعة الخداع حوله أكثرية اللبنانيين أنفسهم الذين يعتقدون أنها من أكبر معضلات المالية العامة في لبنان!

* المسلمة الرابعة
نظام الطائف نظام غير مستقر. إذ إنه في أحسن أحواله يُمكن أن ينتج «ترويكا» كما حدث في التسعينيات. ولكن «الترويكا» لا يمكن أن تنتج إلا إذا كان هناك رأسمالي صافٍ واحد على الأقل بينهم وأن تكون العلاقة مفيدة للجانبين. هناك حالة catch 22 هنا، إذ إن هذا «التوافق» يتطلب اقتصاداً مزدهراً، فأيّ تركيبة تنتج عن توافق ممثلي الطوائف فقط، في ظل أزمة اقتصادية، هي تركيبة غير مستقرّة.
اليوم في ظلّ الأزمة الطويلة الأمد، كلما زادت قوة الرأسمال المستقل، كلما زاد اهتراء الدولة كما الاقتصاد، ويتبيّن ذلك جلياً في رفض الهيئات الاقتصادية زيادة الضرائب عليها التي يمكن أن تعيد بناء «ترويكا» أو تركيبة أخرى مستقرّة. وهذا يفسّر خطوة «باريس 4» اليائسة.
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل «العدالة الطائفية» أهم من التقدم والتطور والديمقراطية الحقيقية؟ إن استمرار النظام بالهروب إلى الخارج هو محاولة لإعادة إحياء الماضي، الذي أوقع لبنان في وضع: إما يستمر وتنتهي معه إمكانية التطور والتقدم، وإما ينتهي هذا الماضي بانفجار عظيم.