تقدّر مديونية الدولة (الحكومة ومصرف لبنان) في نهاية عام 2017 بنحو 138 مليار دولار، أي أكثر بمرتين ونصف المرة من مجمل الناتج المحلي. وكلفت الفوائد المسدّدة على هذه المديونية الضخمة نحو 9.5 مليار دولار سنوياً، على أساس متوسط لسعر الفائدة 7%. منها نحو 5 مليارات دولار سدّدتها الحكومة من الموازنة العامة على دينها، والباقي سدّده المصرف المركزي عبر خلق النقد وتسجيل المزيد من الخسائر في ميزانيته.

كم تبلغ مديونية الدولة اللبنانية؟
ليس في طرح هذا السؤال أيّ لغز أو أحجيات، فرقم الـ80 مليار دولار، الذي يجري التداول به للدلالة إلى كمية الدين العام حالياً، هو رقم صحيح، ولكنه يمثل دين الحكومة المركزية فقط، أو بالأحرى يمثل فقط كمية الدين التي تُسجّل في حسابات وزارة المال، والتي تُسدّد الفوائد عليها من خلال الاعتمادات السنوية المرصودة في الموازنة العامّة.
هذا الرقم، أي كمية الدين على عاتق الحكومة، هو رقم كبير وباهظ الكلفة بكل المقاييس، إذ يتجاوز 150% من مجمل الناتج المحلي، ويحتل المرتبة الثالثة عالمياً، بعد اليابان واليونان، وتستنزف خدمته السنوية (الفوائد المسدّدة) ثلث إنفاق الموازنة كلها، وتشفط وحدها تقريباً نصف الإيرادات الضريبية وغير الضريبية التي تجبيها الدولة.
ولكن، هل الدولة (أو القطاع العام) تتألف من الحكومة فقط؟ بمعنى، أن الدولة مسؤولة فقط عن دين الحكومة؟
طبعا لا، وهذا ليس موضع خلاف أو جدال. ففي أحكام النظام العام، ولا سيما الدستور والقانون بالإضافة إلى الأعراف، تتألف الدولة من سلطات (تشريعية وتنفيذية وقضائية) وكيانات (الحكومة أكبرها وأهمها ولكنها تشمل أيضاً البنك المركزي الذي يمارس استقلالية نسبية عنها، والبلديات والمؤسسات العامّة والمصالح المستقلة والشركات المختلطة والبرامج والصناديق التي تديرها الدولة أو تساهم في تمويلها...)، كما تمارس الدولة «سياسات» تترتب عليها «حقوق» للغير، ظاهرة أو مخفية.

للصورة المكبرة انقر هنا

للأسف، لا تتوافر حسابات مالية موحدة للدولة، بحسب ما تفرض الأصول المحاسبية، وهذا نقص فادح في إدارة المال العام، لا يتيح معرفة دقيقة لمركز الدولة المالي وكلفة التزاماتها، كما لا يتيح تقديراً دقيقاً لإجمالي الدين العام أو «مجموع الدين»، بحسب التعريف الوارد في «دليل إحصاءات دين القطاع العام»، الصادر عن صندوق النقد الدولي وثماني منظمات دولية معنية من ضمنها الأمم المتحدة والبنك الدولي وبنك التسويات الدولية ونادي باريس. هذا الدليل يعرّف «مجموع الدين العام» على أنه «جميع الالتزامات المتمثلة في أدوات الدين» من قِبل الحكومة والمؤسسات العامة معاً تجاه الغير. ويعرّف أداة الدين على أنها «مطالبة مالية تقتضي قيام المدين بأداء كل مدفوعات الفائدة أو المبلغ الأصلي أو كليهما إلى الدائن في تواريخ محددة في المستقبل».
إن اعتماد هذه المنهجية «الدولية» لاحتساب الدين العام للدولة، يتيح الوصول إلى تقدير لمديونية الدولة اللبنانية، أكثر واقعية ودقة، من رقم الـ80 مليار دولار الذي يمثل دين الحكومة فقط، وهذا ما درج على القيام به الاقتصادي المعروف، توفيق كسبار، من خلال نموذج حسابي بسيط، يستند إلى أرقام رسمية، ويبيّن أن الدين الواقع على الدولة لا يقل عن 138 مليار دولار في نهاية عام 2017.
يشرح الدكتور كسبار أن المنهجية الدولية تقوم على احتساب دين الحكومة وديون المؤسسات العامة والكيانات الأخرى المملوكة كلياً أو جزئياً من الدولة... وذلك بعد إجراء المقاصة بينها، أي بعد تسوية الحسابات المتداخلة والمتشابكة بين كيانات الدولة وجعلها حساباً واحداً يحدّد ما للدولة ككيان واحد وما عليها.
في الحالة اللبنانية، يوجد كيانان رئيسان في الدولة يحملان معظم الدين المترتب عليها، هما الحكومة ومصرف لبنان، فيما الكيانات الأخرى صغيرة الحجم نسبياً، ولا تترتب عليها ديون كبيرة يمكن أن تغيّر جذرياً في نتيجة هذا النموذج الحسابي المعتمد.
يمثّل رقم الـ138 مليار دولار في آخر عام 2017 دين الحكومة ودين مصرف لبنان، وذلك بعد إجراء المقاصة بينهما، إذ جرى مثلاً تنزيل كمية ودائع الحكومة من المطلوبات على مصرف لبنان، كما جرى تنزيل كمية سندات الخزينة، التي هي مطلوبات من مصرف لبنان على الحكومة.
هذا الرقم هو الذي يعبّر فعلياً عن الدين العام (Public debt)، في حين أن رقم الـ80 مليار دولار هو الذي يعبر عن دين الحكومة (Government debt)، ولا يوجد أي مبرر لطمس الأول وحصر التداول بالثاني، إلا لإخفاء الحقيقة المؤلمة، التي تقول إن النموذج الاقتصادي اللبناني، الذي هرعت الحكومة لإنقاذه عبر باريس 4، أغرق الدولة تحت مديونية عامة ثقيلة لا يمكن تحمّل كلفتها إلى ما لا نهاية، ارتفعت من نحو 3 مليارات دولار في آخر عام 1992 إلى أكثر من 138 مليار دولار اليوم، أي بزيادة 135 مليار دولار في ربع قرن، وبمعدل وسطي بلغ 5.4 مليار دولار سنوياً.
للتواصل: [email protected]