تُقدّم شركات عملاقة، مثل "آبل"، و"غوغل"، و"مايكروسوفت" وغيرها، على أنها أبهى إنتاجات الرأسمالية، التي مكّنتنا من الوصول الى تقنيات متطورة تسهّل حياتنا وتزيد من رفاهيتنا... بحسب هذه القصّة: فلولا السوق الحرّة والمبادرة الفردية والمزاحمة ورأس المال الخاص... لما كان لدينا ما نراه اليوم من تكنولوجيا.

(سانتياغو فيسينو ــ أوروغواي)

في هذا السياق، يعتبر هاتف "آيفون" اليوم المثال الأكبر "عمّا يحدث عندما تسمح الدولة لرواد الأعمال والقطاع الخاص بالتألق"، وفق البروباغندا التي سيقت طوال أعوام طويلة. لكنّ أيقونة الرأسمالية هذه صنعتها الاشتراكية! عبر تاريخ حافل من الإبداعات.
تبدأ القصة الواقعية بسؤال محدد: من اخترع الآيفون: "آبل" أم الحكومة؟ سؤال قد يحسمه الكثيرون تلقائياً، بأن الفضل يعود لشركة "آبل"، إلا أن الاطلاع على تاريخ الشركة والمكونات الرئيسية التي جعلت من الـ"آيفون" ما هو عليه اليوم قد يغيّر وجهات النظر. والسؤال لا يطال الـ"آيفون" فقط، بل هو مقدمة للحديث عن الكثير من التقنيات الثورية التي تم تطويرها بأموال الضرائب، من قبل الدولة.
يحتدم هذا النقاش منذ سنوات في الغرب، ويكشف عن جوانب مثيرة؛ فالدولة هي وراء معظم الاختراعات التكنولوجية الجديدة، التي تتباهى بها الرأسمالية. فلولا الدولة لما كان هناك إنترنت، ولا "ويب"، ولا GPS وشاشات اللمس، ولا SIRI والكثير غيرها... كيف؟

الإنترنت
عام 1958 أعلن الرئيس الأميركي دوايت ايزنهاور إنشاء وكالة ARPA، التي تحوّلت لاحقاً إلى وكالة مشاريع البحوث المتطورة الدفاعية "داربا"، وهي وكالة تابعة لوزارة الدفاع الأميركية مسؤولة عن تطوير التكنولوجيات الناشئة لاستخدامها من قبل الجيش الأميركي. هذه الوكالة، التابعة للدولة، ستكون بعد قرابة عشر سنوات من تأسيسها مسؤولة عن بناء أول شكل من شبكات الإنترنت، وفق الرواية الأشهر التي تتبنّاها الكاتبة ماريانا مازوكاتو في كتابها "الدولة الريادية: فضح أساطير القطاع الخاص مقابل القطاع العام". تشرح موسوعة Britannica أنه عام 1969 ظهرت شبكة ARPANET، التي كانت أول شبكة تصل مجموعة من الكمبيوترات تتميز بتقنية تبديل الرزم، وهي طريقة لنقل البيانات عبر شبكة رقمية على شكل رزم بيانات لها ترويسة وحمولة. وعليه، فإن بروتوكول الإنترنت TCP/IP، وهو مجموعة من بروتوكولات الاتصال التي تستخدم لإنشاء نموذج شبكات الكمبيوتر لشبكات تبديل الرزم، تم تمويله وتطويره من قبل الوكالة الحكومية "داربا". وإلى اليوم، لا تزال الاتصالات القائمة على رزم التبديل، التي طورتها وكالة ARPA، أهم إرث تم نقله إلى شبكة الإنترنت الحالية من قبل ARPANET .

الويب
أول موقع إلكتروني ظهر على شبكة الإنترنت حمل عنوان info.cern.ch، وهو موقع حكومي تابع للمنظمة الأوروبية للبحوث النووية CERN. تأسّست CERN عام 1954 من قبل 12 حكومة أوروبية، لتنضم لاحقاً دول أخرى، وقد وصل عدد الدول المشاركة في المنظمة الى 22 دولة، تسهم في تمويل البرامج والأبحاث وتطوير تقنيات جديدة. هذه المنظمة هي التي اخترعت شبكة الويب العالمية، أو ما يعرف بـ WORLD WIDE WEB والتي شكلت بداية ثورة المعلومات التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم تقنياً. يشرح الموقع الإلكتروني للمنظمة (www.home.cern) أنه في عام 1989 قدّم مهندس الكمبيوتر البريطاني، تيم برنرز لي، الذي كان يعمل في المنظمة الأوروبية للبحوث النووية، اقتراحاً لتطوير نظام معلومات موزع للمختبر، وبعد سنة ظهر أول موقع إلكتروني في التاريخ، اقتصر يومها على الموجودين داخل المنظمة، ليظهر على شبكة الإنترنت في عام 1991. فقد أنشأ تيم برنرز لي مع زملائه في المنظمة بروتوكول HTTP، ما أعطى منصات الكمبيوتر المتنوعة القدرة على الوصول إلى مواقع الإنترنت. وHTML هي لغة عالمية لتصميم مستندات الويب، وعناوين URL. في 30 نيسان من عام 1993 أعلنت منظمة CERN أن شبكة الويب العالمية ملك للجميع، ناشرة الشيفرة الأصلية للمشروع. وعليه بات البرنامج مجانياً ومتاحاً للكل. وفي السياق نفسه، قدمت المؤسسة الوطنية للعلوم NSF، وهي وكالة تابعة للحكومة الأميركية لدعم الأبحاث والتعليم، في عام 1981، منحة لإنشاء شبكة CSNET، تربط جميع كمبيوترات الباحثين في الجامعات. كذلك وضعت مراكز NSF العديد من أدوات التنظيم وتحديد الموقع والتنقل عبر المعلومات، بما في ذلك واحد من أول تطبيقات خادم الويب المستخدمة على نطاق واسع. كذلك أنشأت Mosaic، وهو أول متصفح ويب browser مجاني، يسمح لصفحات الويب بتضمين الرسومات والنصوص، والذي تم تطويره عام 1993 في المؤسسة العامة نفسها، وفق موقع المؤسسة (www.nsf.gov). ويعتبر متصفّح Mosaic رائداً في هذا المجال قبل المتصفحات الحديثة مثل Microsoft Internet Explorer وGoogle Chrome.
شركة "آبل" أبعد ما تكون عن منتج مصنوع فقط من قوى "السوق"


باختصار، فإن أهم بروتوكولات الانترنت والويب من HTTP، وHTML وTCP/IP هي إنتاج CERN، وDARPA وNSF، وجميعها وكالات حكومية. أما ما نعرفه اليوم من نظام الملاحة العالمي GPS، فقد بدأ كبرنامج للجيش الأميركي بين عامي 1959 و1968، عندما ساعدت "داربا" في إنشاء أول نظام للملاحة عبر الأقمار الصناعية اسمه ترانزيت TRANSIT، الذي عرف لاحقاً بـNAVSAT، ما سمح للسفن والغواصات بتحديد مواقعها، وأسّس لنظام الملاحة الحالي. ومرّة أخرى يتبين أن الدولة هي التي تقف خلف كل هذه الاختراعات العظيمة.

من اخترع الـ«آيفون»؟
عام 2013، نشرت الاقتصادية ماريانا مازوكاتو كتاباً بعنوان "The Entrepreneurial State: Debunking Private vs. Public Sector Myths" ("الدولة الريادية: فضح أساطير القطاع الخاص مقابل القطاع العام"). يتحدث الكتاب عن دور الدولة باعتبارها محركاً للاقتصاد والابتكارات، وليست فقط متدخلة عند الأزمات. وعليه، تعيد مازوكاتو التذكير بأبرز الابتكارات التي قامت باختراعها وتطويرها جهات حكومية، وتتغذى عليها اليوم آلاف الشركات الخاصة، لدحض كل القصص التي تمنح الفضل في التطور التكنولوجي الذي وصلنا اليه اليوم الى القطاع الخاص وليس الدولة.
في كتابها، تفرد مازوكاتو فصلاً خاصاً بشركة "آبل"، التي يصورها البعض بأنها أيقونة الرأسمالية. تقول إن "كل التكنولوجيا التي تجعل هواتف آيفون ذكية وليست غبية تدين بتمويلها للبحوث الأساسية والتطبيقية التي موّلتها الدولة. هذا بالطبع لا يعني أن ستيف جوبز وفريقه لم يكن وجودهم حاسماً لنجاح آبل، ولكن تجاهل الجانب العام من تلك القصة سيمنع "تفاحات" مستقبلية من أن تولد". لكن ما علاقة الدولة بـ"آبل"؟

المصدر: كتاب «الدولة الريادية: فضح أساطير القطاع الخاص مقابل القطاع العام»، ماريانا مازوكاتو، صفحة 97 | للصورة المكبّرة انقر هنا

تجيب مازوكاتو بأنه "قد يفاجأ التقنيون الليبراليون في silicon valley عند معرفة أن الحكومة موّلت العديد من الابتكارات التي تقف وراء ثورة تكنولوجيا المعلومات". يعتمد هاتف آيفون على شبكة الإنترنت. سلف شبكة الانترنت هو شبكة أربانيت، وهي برنامج موّلته وكالة "داربا"، التي تعتبر جزءاً من وزارة الدفاع. بدأ النظام العالمي لتحديد المواقع في فترة السبعينيات كبرنامج عسكري أميركي يسمى NAVSTAR. تم إنشاء تقنية الشاشة التي تعمل باللمس والتي يستخدمها هاتف "آيفون" من قبل شركة Finger Works، التي أسّسها أستاذ في جامعة ديلاوير المموّلة من الحكومة وأحد مرشحي الدكتوراه، الذين تلقّوا منحاً من المؤسسة الوطنية للعلوم ووكالة المخابرات المركزية. حتى سيري، زينة الآيفون، المساعد الشخصي الذي يتعرّف على الصوت، يمكن تتبّع أصلها إلى حكومة الولايات المتحدة: فهي منبثقة من مشروع ذكاء اصطناعي لوكالة "داربا".

دعم الدولة المباشر
لكن قصة "آبل" لا تنتهي هنا، بل إن للدولة دوراً مباشراً في دعمها، إذ يذكر الكتاب أن "برنامج بحوث الابتكار في الأعمال التجارية الصغيرة في الولايات المتحدة" يقدم تمويلاً شديد المخاطر للشركات في مراحل مبكرة جداً؛ هذا البرنامج قام بتمويل شركتي "كومباك" و"إنتل" عندما كانتا شركتين مبتدئتين. وبالمثل، قدم برنامج الاستثمار في الشركات الصغيرة، وهو برنامج تابع لوكالة حكومية هي إدارة الأعمال الصغيرة في الولايات المتحدة Small Business Administration، قروضاً ومنحاً حاسمة للشركات في مراحلها المبكرة، بما في ذلك شركة "آبل" عام 1978".
تستخلص الكاتبة أن شركة "آبل" أبعد ما تكون عن منتج مصنوع فقط من قوى "السوق". فقد "كان نجاحها يعتمد اعتماداً كبيراً على التمويل العام، الذي تلقّته في وقت مبكر، والتكنولوجيات المموّلة من الدولة التي تقف وراء جميع منتجاتها".
وعليه، يعيد الكتاب إيضاح حقيقة شوّهتها بروباغندا مركزة: "في البلدان التي تدين بنموّها إلى مجال الابتكار ــ وفي مناطق داخل تلك البلدان، مثل silicon valley ــ لم تلعب الدولة تاريخياً دور المسؤول والمنظم لعملية خلق الثروات فحسب، بل كانت جهة فاعلة رئيسية في ذلك، وغالباً أكثر جرأة وعلى استعداد لاتخاذ مخاطر لم تكن الشركات لتأخذها. وقد كان هذا صحيحاً، ليس فقط في المناطق الضيقة التي يدعوها الاقتصاديون "السلع العامة" (مثل تمويل البحوث الاساسية)، ولكن عبر سلسلة الابتكار بأكملها، من البحوث الأساسية إلى البحوث التطبيقية، والتسويق التجاري، والتمويل المبكر للشركات نفسها. وقد أثبتت هذه الاستثمارات أنها تحويلية، إذ خلقت أسواقاً وقطاعات جديدة تماماً، بما في ذلك الإنترنت والتكنولوجيا النانوية والتكنولوجيا الحيوية والطاقة النظيفة". فمن يكون قد اخترع "آيفون"، أليس الدولة؟