القاهرة | في نهاية الأسبوع الماضي، وقف مالك قناة «النهار» رجل الأعمال علاء الكحكي، وهو يشعر بأنّه يقيم المؤتمر الأخير لشبكة تلفزيون «النهار» التي أسسها بعد «ثورة 25 يناير». ضخّ الرجل الذي جمّع أمواله بالخارج قبل أن يعود إلى مصر للاستثمار في مجال الإعلام، ملايين الجنيهات، لكنه يقف اليوم مديوناً بعشرات الملايين، وفي الوقت نفسه لديه مديونيات أخرى تتجاوز 100 مليون جنيه لم يستطع تحصيلها لأسباب سياسية من دون أن يتحدث عن ذلك مباشرة.

وقف الكحكي الذي رفض طريقة السلطة في التعامل مع الإعلام، محاولاً أن يبدو متماكساً ومُقدِّماً خريطة برامج شبكته. على رغم ضعف موازنتها، فإنّها تبقى في دائرة المنافسة، وإنْ تراجعت نسبة مشاهدتها بصورة كبيرة على خلفية تخفيض النفقات التي قامت بها القناة خلال الفترة الماضية في محاولة لوقف نزيف الخسائر المالية المستمرة منذ 3 سنوات (ثمة تراجع مستمر في الإعلانات).
مطلع العام الماضي، كان الكحكي يقف إلى جوار مالك شبكة قنوات «سي بي سي» رجل الأعمال محمد الأمين، ليعلنا سوياً اندماج الشبكتين لتحقيق عائد اقتصادي أكبر وضبط الأسعار الإعلانية والأعمال الدرامية التي تعرض على شاشة الشبكتين. لكنّ الاندماج لم يكن سوى بداية إعلان لسيطرة «المجموعة المتحدة» التي تمتلكها «جهات سيادية» على الشبكتين ضمن خطة الاستحواذ على الإعلام.

اشترت وزارة الداخلية قنوات «الحياة» من مالكها السيّد البدوي


وافق الأمين على مطالب «المتحدة» بأن لا يكون هناك سداد للأموال المدفوعة، فيما رفض الكحكي دخول «الدولة» بلا أموال، ليخرُج بذلك من الشراكة ويتحمل خسائر كبيرة وسط رحيل عدد كبير من الوجوه الموجودة في القناة إلى جانب أزمات كثيرة أخرى لا يزال يعاني منها حتى الآن. أما محمد الأمين، فقد بقي بكنف «الدولة» التي لم تدفع له ثمن الاستحواذ حتى الآن، لكنها في المقابل لم تتعرض له سوى في المدة الأخيرة حين حاولت شراء كامل حصته بالمجموعة، لتكون «سي بي سي» بذلك تابعة لها في شكل كامل، وهو ما رفضه.
يبقى نموذج الكحكي الذي يمتلك جواز سفر بريطانياً، الوحيد الصامد بين مالكي المحطات في مواجهة أجهزة الدولة. فعلى رغم كونه من «المؤيدين»، إلا أنّ صيغة بقائه منفرداً لم تعد تلقى ترحيباً، فالرجل الذي أُجبِر في فترات سابقة على إبعاد الإعلامي محمود سعد، من على الشاشة بسبب مواقفه السياسية، واتخذ قرارات لجعل المحطة تتواكب مع «سياسة الدولة»، لا تزال صيغة عمله لا ترضي الأجهزة التي ترغب في الاستحواذ على المحطة بثمن أقل من سعرها الحقيقي (50 في المئة)، وهو ما يرفضه في شكل كامل. في الأثناء، يتعرض لحرب من المنافسين الذين يسعون للاستحواذ على المحطة ويقومون بإفساد أيّ صفقة لها بتقديم مبالغ مالية أكبر، فضلاً عن محاولات جذب نجومها برواتب أعلى في محاولة لإجبار الكحكي على البيع.

أذرع «الدولة»
تواصل «الجهات السيادية» شراء المنصات التلفزيونية والاستحواذ عليها، متحملةً مديونيات وأعباء وخسائر بملايين الجنيهات. لم تُغلق أي منصة حتى الآن، لكنّها تتحمل الخسائر سنوياً، وتدفعها من موازناتها من دون محاسبة للقائمين على هذه المحطات (التي على رغم محاولات ترشيد النفقات لا تزال تُسجّل مزيداً من الخسائر بملايين الجنيهات).
حتى الآن، تمتلك «الدولة» أكثر من ذراع تستحوذ على المحطات الفضائية، وهو استحواذ يتكلف أكثر من مليار جنيه سنوياً في بلد أُقرِّت ثلث موازنته المقبلة لسداد تكلفة الديون وفوائدها، وتقوم السلطات فيه برفع الدعم عن محدودي الدخل في محاولة لتخفيض عجز الموازنة الذي تجاوز الحدود الآمنة.
إلى جانب «المجموعة المتحدة» التابعة للاستخبارات (بشقيها: العامة والحربية)، تنقسم ملكية «الدولة» في القنوات بين ذراعين أساسيتين: الأولى هي شركة إعلام «المصريين» التي كانت تتبع «الاستخبارات العامة» في فترات سابقة وتضم مجموعة من القنوات المهمة، فيما الثاني هي شركة «دي ميديا» التي تمتلك شبكة قنوات «dmc» وحق الامتياز الإعلاني لعدد من القنوات الخاصة (بعضها سراً، إذ لم يعلن عنه رسمياً)، في وقت تتواجد فيه وزارة الداخلية، باستحياء، عبر شركة «فالكون» التي تمتلك إذاعة راديو «drn» وقنوات «الحياة» التي على رغم تعثرها ومديونياتها (تجاوزت 1.5 مليار جنيه)، فإنّ «الداخلية» اشترتها عبر «فالكون» وضخت فيها أكثر من 400 مليون جنيه لإعادتها للمنافسة.
«فالكون» اشترت قنوات «الحياة» من مالكها السيّد البدوي، في مقابل تطمينات له بعدم الملاحقة القضائية وإنهاء عدة قضايا مالية صدرت بحقه، بينها أحكام قضائية نهائية.
سياسة الترهيب هي العامل الأساسي في التعامل مع ملاك القنوات وإخضاعهم. صحيح أن هناك قنوات فضائية لا يزال رجال أعمال يملكونها، لكنها قنوات تابعة لرجال أعمال مؤيدين وداعمين لـ«الدولة» مثل فضائيتي «صدى البلد» و«المحور» لرجلي الأعمال محمد أبو العينين وحسن راتب.
لا يوجد رقم محدد للأموال التي ضختها الأجهزة في الإعلام، لكن المؤكد أن هذا الرقم يتجاوز مئات الملايين من الجنيهات، حتى أصبح سوق الإعلام بالداخل في جعبتها، توجهه بالشكل الذي تريده ويردد مع اختلاف الشاشات نفس الحديث بنفس الشخصيات، سواء أكانوا نواباً برلمانيين دفعتهم الأجهزة الأمنية، أو خبراء اقتصاديين يرغبون في مناصب حكومية أو العمل مع الشركات المحسوبة على «الدولة».
يقول الكحكي في حديثه إنّه يريد الخروج من سوق الإعلام، لكنه لا يريد الخروج بمزيد من الخسائر، فهو يُفضّل البقاء بالمواجهة مهما كانت النتيجة، خصوصاً أنّه تيقن من رغبة «الدولة» في عدم بقائه بالسوق الذي حقق منه في البداية أرباحاً بالملايين.