مهنة الصحافة مسألة حرية. حين تتقلص قدرتها عن التعبير بحرية عن حقائق مجتمعها وما يجري فيه من أحداث وتحولات تفقد صدقيتها وتأثيرها ويتراجع توزيعها حتى يكاد يندثر. أخطر ما ينطوي عليه قانون الصحافة والإعلام الجديد خنق المهنة في صلب أدوارها الطبيعية، حيث تحكم القبضة على رقبتها. في نص الدستور: «تلتزم الدولة بضمان استقلال المؤسسات الصحافية ووسائل الإعلام المملوكة لها، بما يكفل حيادها، وتعبيرها عن كل الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية والمصالح الاجتماعية ويضمن المساواة وتكافؤ الفرص في مخاطبة الرأي العام». استقلال المؤسسات الصحافية قضية دستورية أولى في أي نظر لمستقبل المهنة.

إذا قوضت أي فرصة لاستقلالها، فإن مصير الصحف والمجلات المصرية المملوكة للدولة، كـ«الأهرام» و«أخبار اليوم» و«الجمهورية» و«روز اليوسف» و«دار الهلال»، إلى زوال مؤكد.
القانون الجديد يتعامل مع المؤسسات الصحافية الكبرى كشركات تجارية يترأسها ويديرها جميعاً رجل واحد هو رئيس «الهيئة الوطنية للصحافة»، الذي يعيّنه رئيس الجمهورية، كما يقلص تمثيل الصحافيين في إدارتها إلى حدود التهميش على عكس ما هو جار حالياً. هكذا تغيب أي أصوات من داخل المؤسسات تقترح وتراقب أي إجراءات تخص مستقبل صحافييها مثل «الخصخصة المقترحة». المفارقة الكبرى في المشهد الإعلامي المصري التوجه لخصخصة الصحف المملوكة للدولة والتأميم شبه المعلن للفضائيات الخاصة. إذا كان هناك من يطلب ذلك النوع من التأميم، فبأي منطق يذهب إلى خصخصة المؤسسات الصحافية، أو تصفيتها بصورة أو بأخرى؟ وإذا كان هناك من يستحوذ باسم الدولة على صحف خاصة، فكيف يفرط في صحف عامة تمتلك أصولاً تمكنها إذا ما أحسن إدارتها من أن تنهض من جديد؟
جزء أساسي من أزمة القانون غياب المنطق في إدارة أزمات المؤسسات الصحافية وديونها المتراكمة، التي تعجزها في حالات عديدة عن الوفاء برواتب صحافييها.

ما هو المطلوب بالضبط؟
لا تجد أحداً يجيب بإقناع، أو يتحدث باقتناع! حجم الأزمة لا يسمح بعشوائية الأداء. قبل ثورة «يناير» ولسنوات طويلة، أسندت مسؤولية ملكية المؤسسات الصحافية للغرفة التشريعية الثانية «مجلس الشورى»، وكانت بدعة لا مثيل لها في العالم، لكنه لم يكن يضطلع بأدوار حقيقية وتحولت المؤسسات إلى إقطاعيات فاقمت من أزماتها.
كانت فكرة استقلال تلك المؤسسات محاولة أخيرة لإنقاذها، ويبدو أن هذه المحاولة تتبدد الآن بنفي صفتها الصحافية وإخضاعها لقبضة واحدة خلف ستار تمنح وتمنع، تعاقب وتكافئ، تقرر من تمدد له حتى سن الخامسة والستين ومن تحيله إلى التقاعد مبكراً.
حياد المؤسسات الصحافية المملوكة للدولة قضية دستورية ثانية تستدعي تأكيدها في القوانين والقواعد، لا إلحاقها بما تطلبه السلطات العامة دون قدرة على نقاش، أو مساحة لاجتهاد. لا توجد صحافة تقدر على مهماتها الأساسية في إخبار القراء بما يحدث في مجتمعهم وإقليمهم وعالمهم، أو تداول الآراء، بلا مساحة تنفس... ولا منافسة ممكنة بين مدارس صحافية مختلفة إذا كانت مجبرة على اتباع كاتالوغ واحد يحدد ما ينشر وما لا ينشر يوماً بيوم.
المدارس الصحافية لا تنشأ إلا في بيئة صحية تسمح للأفضل بأن يتقدم وللجديد بأن يكشف عن نفسه وللمنافسة بأن تأخذ مداها. إذا لم يوقف القانون قبل إنفاذه، فإنه يصعب التعويل على أي إنقاذ ممكن للصحافة المصرية التي تآكلت مستويات توزيعها إلي حدود مرعبة. ما يوزع من صحف ومجلات مصرية مجتمعة اليوم أقل مما كانت توزعه صحيفة واحدة في سنوات قريبة سابقة. الأرقام مخجلة بالنسبة الى بلد عريق بحجم مصر. التدهور التوزيعي وصل في بعض الحالات إلى مئات النسخ بما فيها الاشتراكات!
قرب نهاية أربعينيات القرن الماضي تجاوز توزيع العدد الأول من صحيفة «أخبار اليوم» المئة ألف نسخة، فيما كان عدد السكان نحو ١٨ مليوناً، والرقم تجاوز المليون نسخة في الستينيات والسبعينيات، فيما كان عدد السكان أقل من ثلاثين مليوناً. في التوقيت نفسه، تجاوز العدد الأسبوعي لصحيفة «الأهرام» المليون نسخة. كان هناك ما يقرأ في الصحف ويستحق المتابعة رغم ما هو منسوب للستينيات من تضييق على الحريات الصحافية. لا يحتمل العصر الحالي سوى إجابة واحدة عن سؤال حرية الصحافة. أي كلام آخر هو تهويم في الفراغ.
السؤال الذي يجب أن نواجهه باستقامة: لماذا انهار التوزيع الإجمالي للصحف المصرية الآن إلى نحو ثلث ما كانت توزعه صحيفة واحدة، فيما زاد عدد السكان ثلاثة أضعاف على الأقل؟
هناك إجابات عديدة، أهمها انتشار الصحافة الإلكترونية ودور شبكات التواصل الاجتماعي في عالم ما بعد ثورة الاتصالات. غير أن تلك الإجابة تقصر عن تفسير ذلك التدهور المرعب في مستويات التوزيع. في ظل ثورة المعلومات، التي صاحبت «يناير» و«يونيو»، زاد توزيع الصحف إلى مستويات قياسية. بقدر القلق على المستقبل ومساحة الثقة العامة في ما تنشره الصحف من أنباء وآراء وتحليلات ومواقف ارتفع منسوب تأثيرها.
ثم لا يجب أن ننسى مدى النجاح الذي حققته تجارب صحافية غربية عديدة أمام التحديات الجديدة برفع مستويات توزيعها على عكس الاتجاه السائد. ماذا لديك لتقوله غير الذي تقرأه على شبكات التواصل الاجتماعي، أو تشاهده على شاشات الفضائيات؟ هذه قضية الصحافة وتحديها الرئيسي الآن.
القضية تتعلق بمدى حريات التفكير والإبداع والحق في الاختلاف والتنوع، فإذا غابت لا يبقى أمام الصحافة غير أن تدفن في مقابر الصدقة. القضية الدستورية الثالثة والأهم في أي حديث عن مستقبل الصحافة هو مدى اضطلاعها بالتعبير عن كل الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية والمصالح الاجتماعية، وقدر ما توفره من مساواة وتكافؤ فرص في مخاطبة الرأي العام باعتبار أن الصحافة المملوكة للدولة تخص جميع المواطنين وكل القوى والتيارات السياسية والفكرية.
هذه مسألة تخص المجتمع كله لا الصحافيين وحدهم. التوجه القانوني للتضييق غير خاف، بينما توسيع الحريات الصحافية وتأكيدها روح الدستور.
بعبارات فضفاضة وغير منضبطة يكاد يخضع القانون كل ما ينشر للعقاب بالتأويل كأن يقال إنه ينطوي على «أخبار كاذبة»، أو يحرض على مخالفة القانون، إذا ما خالف الرواية الرسمية. الأسوأ أنه يلزم بأحكامه «كل موقع إلكتروني شخصي أو مدونة إلكترونية شخصية، أو حساب الكتروني شخصي يبلغ عدد متابعيه خمسة آلاف متابع أو أكثر»، و«يكون للمجلس الأعلى للإعلام وقف أو حجب الموقع أو المدونة أو الحساب المشار إليه بقرار منه».
ذلك يناقض الالتزام الدستوري بـ«حماية حق المواطنين في استخدام وسائل الاتصال العامة بكل أشكالها، ولا يجوز تعطيلها أو وقفها أو حرمان المواطنين منها بشكل تعسفي». وبالتعسف، فإن كل نقد مؤامرة وكل اختلاف يستدعي العقاب. التعسف يقوّض أي فرصة للتماسك الوطني في أوقات صعبة تضيق فيها الصدور. صحافة الصوت الواحد خطر حقيقي على التماسك الضروري لسلامة أي بلد. التماسك قضية حوار، والحوار قضية حرية، وحرية الصحافة درّة الحريات العامة وعنوانها الأول.
* كاتب وصحافي مصري