«المسألة الوحيدة التي يمكن أن تزجّ مصر في الحرب مرة أخرى هي المياه». عبارةٌ قالها الرئيس الراحل، أنور السادات، قبيل أيام من توقيعه اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل. هي نفسها العبارة التي لا يريد النظام المصري اليوم التلويح بها في أزمة سدّ النهضة، والتي تتفاقم جرّاء لقاءات مكررة تجمع المسؤولين المصريين ونظراءهم في إثيوبيا والسودان من دون نتائج مُرضية للقاهرة حتى اللحظة، في انتظار اللقاء المرتقب بين الرئيس عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي، في منتجع سوتشي الروسي نهاية الشهر الجاري. ترى الدولة المصرية أن القول بإمكانية نشوب صراع عنيف مع إثيوبيا «مبالغة كبيرة» لاعتبارات كثيرة، وأن الأجدى هو العمل على تسوية الصراع بالأساليب السياسية والقانونية، خاصة أن الحلول العسكرية لن تُمكّنها من السيطرة الدائمة على منابع المياه، كما لن تمنع تعقيد الموقف لاحقاً. لكن ما يزيد صعوبة المفاوضات غياب الإطار القانوني المنظِّم لها.

ترجع بداية الاتفاقات في شأن استخدام مياه النيل إلى تاريخ 15/4/1891، تاريخِ توقيعِ ما يُعرف بـ«بروتكول روما» بين إيطاليا وإنكلترا، والذي نصّ على منع إقامة منشآت لأغراض الريّ على نهر عطبرة (آخر روافد النيل شمال السودان) يمكن أن تؤثر في موارد المياه. أما الاتفاقية الأهم في هذا الإطار، «اتفاقية أديس أبابا»، فقد وُقعت في تاريخ 15/5/1902 بين إثيوبيا وبريطانيا التي نابت في ذلك عن السودان ومصر بحكم احتلالها إياهما، وتضمنت تأكيد الإمبراطور الإثيوبي منع أيّ أعمال على مياه النيل الأزرق وبحيرة تانا أو السوباط. لكن الحكومة الإثيوبية اليوم تودّ سحب الاعتراف بالاتفاقية المذكورة، مُرجِعة هذا إلى أن «مجلس العرش» والبرلمان البريطاني لم يصدّقا عليها. أياً يكن، فإن القاهرة ترى أن الاتفاقية الأهم بالنسبة إليها هي اتفاقية 1929 بين مصر وبريطانيا بوصف الأخيرة نائبة عن الدول التي استعمرتها على حوض النيل. وتعهّدت بريطانيا، بموجب هذه الاتفاقية، بمنح مصر حصة ثابتة من مياه النيل، مع الحق في الاعتراض على أيّ مشروعات جديدة على النهر وروافده إذا ترتب عليها إخلال بنصيبها. واستكمالاً لاتفاقية 1929، وقّعت القاهرة مع الخرطوم، عام 1959، اتفاقية أخرى تضمّنت تقاسم موارد المياه بينهما وفق محدّدات، منها أن تحصل الأولى على 55 مليار متر مكعب من المياه، فيما تحصل الثانية على 18 ملياراً. مع هذا، استمر الجدل حول اتفاقية 1929 بين الدول الأفريقية عقب استقلالها خصوصاً منها تنزانيا وكينيا وأوغندا وبين مصر، لكن القاهرة أكدت تمسكها بالاتفاقية تطبيقاً لمبدأ التوارث الدولي، فضلاً عن «الحقوق الطبيعية والتاريخية» باعتبارها من المبادئ الراسخة في القانون الدولي.

ترفض إثيوبيا مُجمل الاتفاقات السابقة الموقّعة في شأن مياه النيل


عام 1993، أي إبان الاستقلال الوطني لكلّ من مصر وإثيوبيا، على عكس الصفة التي حملتها أطراف اتفاقية 1902، وُقّع بين الدولتين اتفاق حمل التزاماً إثيوبياً مباشراً بالنصوص نفسها التي وردت في اتفاقية «1902»، لجهة التمنّع عن مشروعات أو إشغالات على النيل الأزرق وفروعه يكون من شأنها التأثير في المياه الواصلة إلى السودان ومصر، سواء كميتها أو نوعيتها أو زمن تدفقها، الأمر الذي يعني أن أديس أبابا يفترض أن تحترم الموسم الزراعي في مصر، وإجراءات الأخيرة في تخزين المياه في سدودها المختلفة لوضع مخططها الزراعي والاقتصادي، باعتبار النيل المصدر الوحيد الذي تأخذ منه حاجتها للزراعة والصناعة والشرب، وحتى لحركة النقل النهري وما يرتبط بها من سياحة. آنذاك، مثّل «1993» مرحلة جديدة في العلاقات المصرية - الإثيوبية، كان يمكن أن تضع الطرفين على أعتاب برامج تعاون واسعة تُنهي جميع الحساسيات وتساعد على بلورة نواة للتعاون الإقليمي في بقية حوض النيل الأزرق، بل حوض النيل أجمع، لكن الظروف التي تلت الاتفاق لم تكن مؤاتية، ولاسيما بسبب إهمال الرئيس المخلوع، حسني مبارك، للملف الأفريقي، وامتناعه عن التصديق على هذا الاتفاق. على أن مبارك لم يكن المخطئ الوحيد، إذ أن إثيوبيا انخرطت بعدها في علاقات وثيقة مع السودان الذي اتُّهم بالتورط في محاولة اغتيال مبارك في أديس أبابا.
ترفض إثيوبيا مجمل تلك الاتفاقات: «1929» لأنها لم تكن طرفاً فيها كما تقول، و«1959» باعتبارها تخصّ مصر والسودان، ولذلك ترى في «الفيتو» المصري على استغلالها المياه تعطيلاً لقدرتها على الحصول على دعم دولي لتنفيذ مشاريع تنموية، وهو ما جعلها تنظم تحركاً جماعياً مع دول حوض النيل لمواجهة مصر، تجلّى عام 2009 في تزعّمها التوقيعات المنفردة على «اتفاقية عنتيبي» (وقّعت عليها إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وكينيا، وهي تناقض اتفاق 1929 كلياً). في المقابل، تقف مصر في موقف صعب بسبب الهوّة الكبيرة بين حصتها الحالية من الماء وبين الزيادة السكانية فيها، والتي جعلت البلاد رسمياً تحت خطر «الفقر المائي»، وهو ما فرض مرونة على المفاوض المصري في شأن المشروعات المائية التي تمكن إقامتها. وكان أحد تجليات تلك المرونة تجربة «سدّ روفيجي» الذي تنفذه شركة «المقاولين العرب» المصرية في تنزانيا، إذ وضع حجرَ أساسه رئيسُ الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، بعدما نجحت حكومته في إقناع نظيرتها التنزانية بإقامة السدّ وتنفيذه بخبرات ومساعدات مالية وتقنية مصرية، بشرط أن يُبنى بعيداً عن النيل، مع وعد من السيسي بزيارة السدّ للمشاركة في افتتاحه خلال حزيران/ يونيو 2021 كمثال على التعاون المائي.