فاجأه أنور السادات باختياره نائباً للرئيس، قبل أن تفتح نجاته من حادثة المنصة - التي اغتيل فيها الأول - الباب على جلوسه على كرسيّ الحكم لثلاثة عقود. تلك هي الرواية التي ينقلها محمد حسني مبارك ومَن حوله لـ«المصادفات» التي جعلت منه رئيساً. عن عمر يناهز 92 عاماً، رحل مبارك أمس، بعد صراع قوي مع المرض لنحو شهر قضاه في الجناح المخصّص له في مستشفى المعادي العسكري، حيث خضع لجراحة قبل أن تتدهور حالته ويلفظ أنفاسه الأخيرة داخل غرفة العناية الفائقة.

(أ ف ب )

في سيرته الذاتية أنه وُلد في 4-5-1928 في قرية كفر المصيلحة في المنوفية. وعقب انتهاء تعليمه الثانوي، التحق بالكلية الحربية وحصل على البكالوريوس في العلوم العسكرية عام 1948، ثمّ على البكالوريوس في العلوم الجوية عام 1950. من بعدها، تدرّج مبارك، الذي لم تكن علاقته بعائلته جيّدة، في سلّم القيادة العسكرية، إذ عُيّن عام 1964 قائداً لإحدى القواعد الجوية غرب القاهرة، حتى تَقلّد منصب قائد القوات الجوية، وحصل على رتبة فريق، ثمّ جاء تعيينه نائباً للرئيس، إلى أن صار رئيساً في 14-10-1981 بعد نجاته من حادثة المنصة التي أودت بعدد من الشخصيات المصرية البارزة. إلى ما قبل «مفاجأة» السادات له باختياره نائباً للرئيس، كان يقول إنه يطمح إلى إنهاء مسيرته العسكرية ملحقاً عسكرياً أو سفيراً في إحدى الدول الأوروبية كعادة غالبية العسكريين، لكن السنوات التي تولّى فيها نيابة الرئيس أهّلته ليكون خليفة السادات.
ولّدت حادثة المنصة لديه خوفاً دائماً، ما جعل دولته أمنية بالدرجة الأولى


على رغم عمله العسكري، عاش مبارك قصة حب مع سوزان ثابت (ظلّا يتحدثان عنها باستمرار)، انتهت إلى زواجه منها وإنجابها نجلَيه علاء وجمال. ومثّلت سوزان مستشار مبارك البارز في السنوات الأخيرة من حكمه، التي ابتعد فيها عن السلطة نتيجة حالة الحزن التي أصابته عقب الوفاة المفاجئة لحفيده محمد عام 2009. شكّلت إصابته في حادثة المنصة نقطة تحوّل في عقليته العسكرية، جعلته يعتمد على الأمن في المقام الأول طوال سنوات حكمه الذي جعله ثاني أطول حاكم لمصر الحديثة بعد محمد علي باشا. هكذا، عزّز الرئيس المخلوع قبضته الأمنية، زاجّاً بالمعارضين في السجون لسنوات طويلة، ومتّبعاً أسلوباً حازماً في التعامل مع الجماعات المسلحة. وعلى المستوى الشخصي، دائماً ما سيطر الهاجس الأمني على تحرّكاته، الأمر الذي أدى في إحدى المرّات إلى مقتل مواطن لدى محاولته اختراق موكب الرئيس في بورسعيد وإيصال شكوى إليه، وهي الحادثة التي وصفت بأنها محاولة طعن تجنّباً للغضب الشعبي. اهتمّ مبارك بوزارة الداخلية وبتعزيز قدرتها على ضبط الأمن، خاصة عبر جهاز «أمن الدولة» الذي عُرف بـ«زوّار الفجر» (تَحوّل اسمه بعد «ثورة يناير» إلى «الأمن الوطني»). واستُخدمت خلال عهده وسائل التعذيب والتنكيل بالمعارضين من أجل انتزاع اعترافاتهم، وهي السياسة التي تَسبّبت في زيادة الغضب تجاهه، وأدّت من ضمن جملة أسباب إلى اندلاع «25 يناير». كما عُرف عن مبارك رغبته في منع بروز أيّ شخصيات يمكن أن تَخلُفه، تماماً مثلما يفعل عبد الفتاح السيسي الآن، إذ عمد، مثلاً، إلى إقصاء رئيس الوزراء الأسبق، كمال الجنزوري، بسبب شعبيته في الشارع، كما محا أسماء زملاء له في «حرب أكتوبر» ليختزل النصر بالقوات الجوية وحدها دون غيرها من القوات المسلحة.