قبل بضع سنوات، أعلنت مؤسسة «أوكسفام» الدولية في تقرير خاص بعنوان «من يقف خلف العلامات التجارية»، أكبر عشر شركات أغذية ومشروبات ومواد التجميل («المغذية» للجلد)، وأكثرها تأثيراً في العالم.


هذه الشركات الضخمة تمتلك قوة هائلة لدرجة تحكمها بالعلامات التجارية التي يشتريها الناس، وبالتالي تمتلك تأثيراً كبيراً بغذائهم وظروف عملهم، في مختلف أنحاء العالم. أسماء بعض هذه الشركات مألوفة لنا، وبعضها الآخر غير مألوف، وأقل شيوعاً في منطقتنا.

الشركات العشر

من هذه الشركات العشر الاحتكارية الأكثر تحكماً في «الأغذية» المصنعة عالمياً ومحلياً: «نستله»، «بيبسي كولا»، «كوكا كولا»، «يونيليفر»، «دانون»، «جنيرال ميلز»، «كيلوغس»، «مارس»، «أسوسيتيد بريتش فودس» و«مونديليز». يعمل في كل واحدة من هذه الشركات آلاف العمال، وتُراكم عائدات سنوية بمليارات الدولارات، وتتحكم فعلياً بغذاء العالم.
اختيار هذه الشركات العشر باعتبارها الأضخم ارتكز على كونها الأكبر عالمياً من حيث إيراداتها الإجمالية، ومن حيث كونها احتكار قلة معدودة من المنتجين، إضافة إلى موقعها في التصنيف السنوي لشركة «فوربس 2000» الذي يصنف الشركات استناداً إلى مبيعاتها المركبة وأصولها وأرباحها وقيمتها في السوق، كما يقول الباحث جورج كرزم. كذلك إن عشرات المليارات من الدولارات سنوياً قيمة إيرادات كل واحدة من الشركات العشر، علماً أن بحوزة خمس من بين هذه الشركات أصول بقيمة 50 مليار دولار على الأقل؛ كذلك إن أرباح أربع شركات بلغت العام الماضي أكثر من 6 مليارات دولار لكل واحدة منها.

الدعايات التجارية

يحمل العديد من هذه الشركات أسماءً عائلية، وهي تنفق مبالغ هائلة على الدعايات التجارية للترويج لعلاماتها التجارية. تسع من بين الشركات العشر كانت خلال عام 2012 من بين أكبر مئة مشترٍ للإعلانات التجارية. «كوكا كولا»، على سبيل المثال، التي تُعَدّ أكبر سادس معلن تجاري عالمياً، أنفقت خلال عام 2012 أكثر من 3 مليارات دولار على الإعلانات التجارية. في المقابل، حلّت شركة «يونيليفر» ثانية في حجمها الدعائي عالمياً.
مبدئياً، يعمل الترويج الدعائي لهذه الشركات على خلق شعور بالألفة من خلال الإعلانات التجارية، في محاولة للحفاظ على نزعة الناس الشرائية لمنتجاتهم «شبه الغذائية»، علماً بأن معظم الأغذية المصنعة التي نشتريها تُعَدّ مكونات «شبه غذائية». فمكونات السلع «الغذائية» التي تصنعها هذه الشركات، لا صلة لها غالباً بالغذاء الطبيعي والحقيقي، بل إن مصدرها هو المختبرات الكيميائية، لا الطبيعة، وهي بالطبع مؤذية لأجسامنا وصحتنا والبيئة.

لا قيمة غذائية وقاتلة

تزداد أذية هذه المنتجات «شبه الغذائية» الكاذبة، كلما زاد استهلاكها بنحو متكرر ودائم. فهي تحوي غالباً دهنيات مشبعة تعمل على زيادة الوزن والكولسترول، وبالتالي تؤدي إلى انسداد في الشرايين. كذلك تحوي هذه المنتجات مستويات مرتفعة من الصوديوم، وزيوتاً مهدرجة وسكراً مكرراً يزيد وزن الجسم ويرفع ضغط الدم والكولسترول، ويزيد احتمال الإصابة بمرض السكري.


شركات تسيطر على الأراضي الرخيصة لإنتاج سلع قاتلة
يضاف إلى ذلك احتواؤها على النشويات المعدلة، وعدد كبير من مضافات الأغذية الكيميائية (مضادات أكسدة ومواد حافظة وأصباغ ومنكِّهات ومُحلِّيات صناعية). الهدف الوحيد لإضافة جميع هذه المكونات التي تسبب أمراضاً مزمنة وخطيرة، هو زيادة الأرباح، ولو على جثث المستهلكين.
تضاف المُنكِّهات الكيميائية ومواد الرائحة إلى السلع الغذائية المصنعة لإخفاء الطعم والرائحة الأصليين الكريهين لهذه المنتجات المتدنية الجودة أصلاً، فيما تُضاف الأصباغ الكيميائية لتحسين المظهر الخارجي للسلع الغذائية المصنعة الفقيرة بمحتواها الغذائي، ولكنها مشهِّية بمظهرها. معظم المنتجات «الغذائية» المصنعة كيميائياً ليست طعاماً حقيقياً. فمشروبات الفواكه ــ على سبيل المثال ــ لا تحوي الثمار الطبيعية، ولا علاقة لها بتلك الثمار، بل تحوي مواد منكِّهة كيميائية تُصنَع في المختبرات، بطعم تلك الثمار. تعبير «المُنكِّهات الطبيعية» الذي نقرأه على ملصقات بيان السلع الغذائية المصنعة لا علاقة له بأي شيء طبيعي، لأن المختبرات قد تكون، غالباً، هي التي صنعت تلك «المُنكِّهات» التي تهدف إلى إخفاء الطعم الأصلي للمنتجات ذات الجودة المتدنية.
وبالمقارنة مع الغذاء الكامل والطبيعي، تُعَدّ معظم «الأغذية» المصنَّعة فقيرة جداً بالفيتامينات والمعادن الطبيعية وغنية بالسعرات الصناعية. بل كي تشجع شركات الأغذية المستهلكين على شراء سلعها، تضيف إلى منتجاتها «فيتامينات ومعادن»؛ علماً أنه لو كانت تلك السلع تشكل طعاماً حقيقياً، لما وجب أصلاً إضافة «الفيتامينات والمعادن».

شيفرة للتضليل

من قوة حيلة دعايتها، قد تمنح الشركات سلعتها اسماً بيتياً حميمياً، مثل «من خيرات بلادنا»، أو «بيت المونة»، مع صور على الغلاف تثير الشهية.
كذلك، لا يعرف معظم المستهلكين كيفية فكّ «الشيفْرات» المطبوعة على ملصقات الأغذية المصنعة، التي تكون غالباً غير مفهومة وغير واضحة. وإذا تمكن أحدنا من قراءة تلك «الشيفرات» (أرقام أل E)، فسرعان ما يكتشف أنها ليست سوى مركَّبات كيميائية صناعية خطرة ومسببة لأمراض كثيرة؛ وكأننا نتعاطى مع مركَّبات ومحاليل كيميائية في مختبر لا علاقة له بالغذاء. الشركات تعلم بأن معظم المستهلكين يجهلون المعنى العلمي لهذه «الشيفرات وكيفية فكّها. لذا، إن ذكرها بهذه الطريقة المبهمة على أغلفة سلعهم (أي تجنب ذكر الأسماء الكاملة للمركبات الكيميائية) يُعَدّ شكلاً من أشكال التضليل التجاري.

وضع اليد على الموارد

يشغّل قطاع الزراعة والإنتاج الغذائي أكثر من مليار فرد، أي ما يعادل ثلث قوة العمل العالمية. وفيما يُعَدّ هذا القطاع أساسياً، تمارس ثلة صغيرة جداً من الشركات نفوذاً هائلاً، وتتحكم بالنظام الغذائي العالمي، وتستنزف الموارد الطبيعية لدول الجنوب الفقيرة بأبخس الأسعار، على حساب المواطنين البسطاء، وتملي الخيارات الغذائية وشروط التوريد ونوعية المستهلكين. فعلى سبيل المثال، تستنزف شركة «نستله» المياه الجوفية في المناطق الريفية بباكستان حيث تقوم بتعبئتها وبيعها، وذلك بمحاذاة القرى التي تعاني من شحّ المياه العذبة النظيفة... كما فعلت في لبنان حين اشترت مياه ينابيع «صحة» في فالوغا، واستثمرت الآبار الجوفية في عين زحلتا وسحبتها وعبّأتها وباعتها إلى لبنان والعالم، فيما تعطش القرى المجاورة، وقد أُنشئ سدّ (مكلف وفاشل ومخرب وغير ضروري...) فوق شاغور حمانا لريّ القرى من مياه السدود المكشوفة والملوثة! كذلك سيطرت «كوكا كولا» و«بيبسي» على الكثير من الينابيع والمياه الجوفية لتصنيع منتجاتها التي باتت متوافرة أكثر من المياه العذبة حول العالم!