لا تزال الفضيحة تجرّ فضيحة أخرى في ملفات البيئة. فمن فضيحة إنتاج سياسات في إدارة النفايات متناقضة وغير شاملة تسبق الاستراتيجية، إلى فضيحة شطب فقرات من هذه السياسات في مجلس الوزراء، التي تسبب أيضاً نسفَ قسم من إجراءاتها الضرورية، إلى فضيحة قرار مجلس الوزراء بمعالجة مكبات جبل لبنان، من دون أن يكون هناك خطة مستدامة، التي أنتجت فضيحة أخرى، هي طلب تمويل هذه العملية من كفالات المقالع والكسارات في وزارة البيئة... إلخ!


خلال هذا الأسبوع، انشغلت بعض الدوائر في وزارة البيئة، بالعمل على دراسة كيفية تطبيق قرار مجلس الوزراء المفاجئ وغير المدروس (رقم 70 في 15/2/2018). وقد تساءل البعض: من استشار وزير البيئة لكي يسير بهذا القرار ــ الخيار؟!
اثناء التمحيص في ملفات المقالع، تبين أن الكفالات، كما ذكرنا في مقالات سابقة، هي مخصصة لتراخيص المقالع والكسارات ولحسن سير عملها (حسب المرسوم 8803/2002)، وإمكانية مصادرة هذه الكفالة إذا خالف المستثمر الشروط التي ينصّ عليها الترخيص، خصوصاً موضوع المدرجات في استثمار المقالع، لكي لا يتكرر التشويه الضخم الذي حلّ في جبال لبنان تاريخياً، وإمكانية مصادرة هذه الكفالة وإصلاح التشويه على حساب المشوِّه. وقد تبين أمس من خلال دراسة أولية لحجم هذه الكفالات الموجودة في المصارف، التي لا يمكن إخراجها إلا بإجراءات قانونية تتعلق بجهة الاستخدام، أي قطاع المقالع، لا أي قطاع آخر. وتبين أيضاً أن حجم هذه الكفالات يقدَّر بمليوني دولار أميركي فقط، في حين أن المطلوب من وزير البيئة لمشروعه «الإصلاحي»، 20 مليون دولار كبداية! وقسم من هذه الكفالات، يقارب النصف، هو لمقالع لا تزال تعمل. فكيف ستُصادَر هذه الكفالات قبل أن تنتهي الأعمال، مع العلم أن ليس على الأرض اللبنانية مقلع واحد أو كسارة يعمل بطريقة نظامية وقانونية، وأن الكفالات لا تشمل القسم الأكبر من هذا القطاع الذي يعمل من دون تراخيص، وبمهل إدارية تتمدد باستمرار، وكان آخرها طلب وزير البيئة الحالي طارق الخطيب في كتاب رفعه إلى مجلس الوزراء في 25/7/ 2017، التمديد سنتين إضافيتين!
فوزارة البيئة التي أهملت، ولا تزال، وضع استراتيجية للنفايات، أهملت أيضاً وضع استراتيجية شاملة، وقانون جديد للمقالع والكسارات يضع حداً لهذا الفلتان وهذه الفوضى.
لا شيء استراتيجياً في هذه الوزارة. الارتجال سيد الموقف، في أقل تقدير، لكي لا نقول إن هناك «قصدية» ما لترك الأمور على هذا الشكل، فيستطيع أن يستفيد من يريد أن يستفيد من قوى سياسية ممسكة بمفاصل السلطة والقرارات، على حساب الفائدة المتوخاة لخزينة الدولة أو للبيئة اللبنانية التي لا تدخل في حساب أحد.
وبغياب التفكير الاستراتيجي المزمن في وزارة البيئة، سيطرت الطروحات الطارئة والعشوائية دائماً، حتى في أثناء فترات الاستقرار النسبي. من هذه العشوائيات، اقتراح مواقع المقالع والكسارات المشوهة لمعالجة النفايات! واليوم استخدام أموال (كفالات) المقالع لمعالجة مكبات النفايات! فكما أن معظم مواقع المقالع الموجودة فوق مصادر المياه الجوفية لا تصلح حتى كمجرد مواقع لفرز النفايات (وليس لطمرها حتماً)، كذلك إن أموالها لا تصلح لمعالجة مكبات النفايات، إذ يمكن أن لا تكفي أيضاً لمعالجة تشوهات المقالع. فحسب الدراسة السابقة للمواقع المشوهة، هناك مواقع لم تعد قابلة للإصلاح وإعادة التاهيل، لأن المستثمرين فيها أكلوا الجبال ولم يتدرجوا من البداية بالاستثمار، وكل أموال كفالات المقالع (كلها) لا تكفي لمعالجة موقع واحد مشوَّه بطريقة عمودية، هذا إذا سمحت طبيعة الأرض ومساحتها بذلك. فمتى تخرج إدارة ملفات وزارة البيئة في لبنان من أيدي الهواة والسماسرة المحترفين؟ أما آن لهذا المسلسل التراجي ــ كوميدي أن ينتهي؟!

* للمشاركة في صفحة «بيئة» التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]