تشهد المنطقة العربية في الآونة الأخيرة تغييراً في استراتيجيات إنتاج الطاقة والتحول إلى الطاقات "منخفضة الكاربون"، في الشكل، وخطرة جداً في المضمون كالطاقة النووية. فبعد التقدم الذي أحرزته الإمارات في بناء أربع مفاعلات (تنفيذ الشركة الكورية للطاقة)، وبعد تزايد الحديث عن مفاوضات سعودية مع شركة الكهرباء الفرنسية لإنشاء مفاعلين، وبدء جارتنا الأردن بتطوير برنامج نووي من أجل إنشاء أربعة مفاعلات... تُطرح أسئلة ومخاطر كثيرة على دول المنطقة في حال حصول حوادث ما، أو لناحية طرق إدارة النفايات النووية المشعّة والخطرة. فماذا في الإشكالية الثانية بداية؟

ارتكز التقدم المتسارع الذي شهدته البشرية في العقود الأخيرة في كافة المجالات، على الثورة في وسائل إنتاج الطاقة، لا سيما الطاقة النووية عن طريق التحكم في تفاعلات انشطار ذرية داخل مفاعل، ثم السيناريو التقليدي لتوليد الكهرباء بتسخين ماء يتحوّل لبخار يحرّك بدوره توربينات.
الفترة الزمنية التي يفقد فيها عنصر مشع نصف نشاطه الإشعاعي يطلق عليها "نصف العمر"، وهذه الفترة تتراوح بين أجزاء من الثانية وملايين السنوات حسب نوع العنصر المشع. وتقسم إلى نوعين قصيرة الأجل (أقل من ٣٢ سنة) أو طويلة الأجل (أكثر من ٣١ سنة). إضافة إلى هذا المعيار، تلعب قوة الإشعاع دوراً في تصنيف المواد المشعة. من هنا وضعت الدرجات الخمس التصاعدية لخطورة النفايات، بدءاً بالنفايات منخفضة النشاط قصيرة الأجل (مخلفات المراكز الطبية والمختبرات العلمية…) وصولاً إلى النفايات عالية النشاط الإشعاعي طويلة الأجل.

طول عمر الإشعاعات

تشكل النفايات طويلة الأجل متوسطة وعالية الإشعاع نسبة ما يقارب ٣ ٪ من حجم إجمالي النفايات النووية في الدول الصناعية الكبرى. وتسهم مخلفات المفاعلات النووية المدنية بنسبة كبيرة منها. فبعد نفاد الوقود في قضبان المفاعل (معدل ٤ إلى ٥ سنوات لوقود شركة AREVA الفرنسية)، تتم عملية فصل اليورانيوم والبلوتونيوم القابل للاستخدام في الوقود من جديد، عن مخلفات عملية الانشطار عالية الإشعاع والتي يشكل التخلّص منها تحدياً كبيراً للدول المتقدمة (حوالى مئة ألف سنة لاندثار الإشعاع). ويعتبر مركز المعالجة في La Hague شمال فرنسا الأكبر في العالم، حيث تتم معالجة نفايات مفاعلات أغلب دول الاتحاد الأوروبي واليابان (بفصل العناصر القابلة للاستخدام من جديد، ثم تزجيج الفضلات المشعة "Vitrification").

الدول المنتجة

تتربع الولايات المتحدة (١٠٤ مفاعلات تسهم في ٢٠٪ من إنتاج طاقتها)، وفرنسا (٥٨ مفاعلاً تسهم في ٧٨ ٪)، واليابان (٥٣ مفاعلاً تسهم في ٣٠ ٪) على رأس الدول المنتجة للطاقة النووية وبالتالي نفاياتها. وفي حين تحتفظ أغلب الدول المنتجة بهذه النفايات داخل أسطوانات معدنية كافية لعزلها مئات السنين في مفاعلاتها أو مواقع سطحية لحين إيجاد حلول نهائية لها، إلا أن بعض الدول كفرنسا لجأت لوضع مشاريع متقدّمة وعمليّة في سبيل التخلص منها.

فرنسا في الطليعة

تبحث فرنسا في إيجاد وسيلة للتخلص من النفايات النووية لمرة واحدة (مع العلم أن ما من مطمر نهائي للنفايات النووية في العالم). فبدأت الدراسات منذ عام ١٩٦٠ للحلول الممكنة، وتقرّر بعد ١٠ سنوات اللجوء إلى التخزين العميق تحت الأرض كحلّ أمثل. وبعد مسار طويل من الدراسات الجيولوجية في أربعة مواقع محتملة، ومخاض عسير للتشريعات والقوانين اللازمة لإقرار هذا النوع من المشاريع في ظلّ مقاومة أطياف من المجتمع المحلي لما اعتبرته خطراً بيئياً على مناطقها، أُعطي الضوء الأخضر لانطلاق المشروع بإشراف ANDRA (الوكالة الوطنية لإدارة النفايات المشعة). بإشعار أيضاً من سلطات السلامة النووية (ASN) بعد التأكد من صلاحية الموقع الجيولوجية استناداً لاستشارات وأبحاث محلية وخبرات دولية.

35 مليار يورو لتخزين النفايات النووية... ولا أمان!


استمرت الدراسات البحثية التمهيدية ٢٠ عاماً، فتناولت الخصائص الكيميائية المطلوبة لحواجز الاحتواء لمقاومة تأثير حرارة وإشعاع وكيمياء النفايات، إضافة إلى تأثير المحيط الجيولوجي لجهة مخاطر الرطوبة والمياه على المنشأة أو تأثير النفايات على عوامل التعرية الجيولوجية أو التدفق الايدروجيولوجي بما يشكل تهديداً لطبقات الحوض الباريسي للمياه الجوفية… كذلك فيزيائياً بدراسة الاضطرابات القلوية لسطح احتكاك الاسمنت المسلح مع التربة الطينية ودراسة حركية ونشاط الصدأ… إلخ.

مشروع للتخزين

يتألف المشروع من ثلاثة أقسام رئيسية:
- منشآت السطح الصناعية: المنطقة الأولى (Zone descenderies) حيث يتم تجهيز وتعليب النفايات في أسطوانات معدنية ثم حاويات إسمنتية قبل نقلها إلى الأسفل. والمنطقة الثانية (Zone puits) منطقة تجهيز لوجستية لتسهيل بناء التجاويف السفلى (alvéoles) المخصّصة للتخزين.
-منشآت السطح الإدارية: كالاستقبال ومراكز الحراسة ومواقف السيارات والمطاعم… إلخ.
-المنشآت تحت الأرض: والمكوّنة من أنفاق الوصول إلى السطح وأنفاق القعر للتواصل بين تجاويف التخزين السفلى (على عمق٥٠٠ متر).

مجالات مفتوحة

ويمتد المخطط التنفيذي للمشروع على فترة طويلة مقسّمة إلى ثلاثة أقسام رئيسية، بدءاً بعملية البناء والتي ينتهي قسمها الأكبر عام ٢٠٢٩، حيث تبدأ عملية المعالجة والتخزين من النفايات الأقل ضرراً، وصولاً إلى النفايات عالية الإشعاع أواخر القرن الحالي، على أن تتم المرحلة الأخيرة في أربعينيات القرن الثاني والعشرين بإقفال المنشأة وتفكيك منشآت السطح.
المشروع حالياً في مرحلة الدراسات التفصيلية لأقسامه المختلفة وبدأت المراحل الأولى من البناء.
يتميز المشروع بصفته العكسية (réversibilité) والتي أُقرّت بقانون، مما يسمح بسحب النفايات المخزنة، وذلك بهدف إعادة المعالجة في حال اكتشاف خلل أو لمعالجة النفايات المخزنة من جديد في حال إيجاد حلول أخرى في المستقبل.

إجراءات مكلفة وغير كافية

قد يتساءل البعض عن جدوى دفع مبالغ ضخمة لمشاكل قد يسهل حلّها في المستقبل (كلفة المشروع مقدّرة بـ ٣٥ مليار يورو)؟ إلا أن انتشار هذه النفايات بكميات كبيرة يجعلها مصدر خطر يضاهي بل يزيد خطورة عن القنابل النووية رغم تطبيق قواعد سلامة وحواجز حماية! فالحوادث النووية في السنين الأخيرة أثبتت أن هذه القواعد غير كافية. فإضافة إلى الكوارث الطبيعية أو عوامل التأثير الخارجة عن إرادة البشر، تبقى الأخطاء البشرية مصدر شكوك. والمثال القريب على ذلك حادث انفجار ثلاثة مفاعلات من أصل اربعة في موقع فوكوشيما دايشي عام ٢٠١١ في اليابان الناتج عن سوء تطبيق قواعد السلامة عند الحوادث في دولة تمثّل للكثيرين قدوة في الانضباط والتقدّم. فكيف ستكون الحال في منطقتنا العربية؟! (للموضوع صلة).

*مهندس مدني لمشاريع الطاقة في فرنسا