لم يعد خافياً أن هناك من يريد أن يسرّع إقرار قانون المياه، قبل باريس 4، أو من أجلها. ولكن، هل هذه السرعة من أجل حفظ المياه في لبنان أم من أجل الاستثمار فيها؟! هذا هو السؤال المركزي الذي يفترض طرحه. من أجل حفظ المياه، لم يتحرك أحد من السلطات المتعاقبة على المياه منذ إعداد الخطط العشرية، أي منذ تسليم هذا القطاع لشركات استشارية تريد الاستثمار في مشاريع كبيرة لإنشاء السدود السطحية. واذ كنا نطالب، منذ أكثر من عشرين سنة، بضرورة وضع استراتيجية شاملة لإدارة هذا المورد الحيوي والحياتي والاستراتيجي، تندرج ضمن استراتيجية للتنمية المستدامة وتطبيق مبادئ الحفاظية والاستدامة والحماية وحفظ الحقوق (كون المياه حقاً من حقوق الإنسان كالهواء تماما)، طورت وزارة الطاقة والمياه ما كان يسمى «الخطة العشرية» التاريخية، بسياسة المياه التي أقرها مجلس الوزراء عام 2010، والتي لم تخضع لنقاش جدي ولم تكن استراتيجية ولا شاملة. ثم عملت الوزارة، بالتعاون مع الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD)، على إعداد قانون المياه الذي يناقش الآن، مع طلب الإسراع في ذلك، من دون أن يستند في أسبابه الموجبة على اية استراتيجية، ولا حتى على مراجعة نقدية للخطط العشرية أو حتى على القانون 221 لتنظيم قطاع المياه الصادر عام 2000!

لقد فشل قانون الـ2000 في تنظيم قطاع المياه بالطبع. ولكن هل استفاد معدّو مشروع القانون الجديد من اسباب فشله؟ لا يبدو ذلك من خلال مراجعة «الأسباب الموجبة» التي تبدو في غاية السطحية! الا اذا كان معدّو هذا القانون يراهنون على سطحية المياه لإنشاء سدودهم السطحية؟ وهل هذا ما يفسر أن هكذا مشاريع استراتيجية ومهمة لا تعرض على المناقشة إلا مع السطحيين؟
بين نواقص القانون القديم (والجديد) انه لا يستند الى استراتيجية ومبادئ، يفترض أن يكون بينها تحديد وتأكيد الملكية العامة للمياه واعتبارها جزءاً من النظم الايكولوجية، التي يفترض حمايتها، واحترام قوانين الطبيعة وحسن سير النظام الطبيعي المولّد للمياه (كمورد متجدد في لبنان) كونهما لا ينفصلان، وضبط وترشيد الاستهلاك في القطاعات كافة... وترجمة هذه المبادئ في القانون والخطط والسياسات، مع ما يتطلبه ذلك، على سبيل المثال، من حماية المصادر ومنع قطع جريان المياه بالسدود السطحية، وضبط الهدر والحفر وتشريع تعبئتها وبيعها بالعبوات او الصهاريج والبراميل...الخ،
اضافة الى ربط ادارة المياه العذبة بتلك المبتذلة، لناحية طرق المعالجة والأوليات والاستخدامات… كل ذلك ضمن تغليب مبدأ الحماية على مبدأ الاستثمار، أي بعكس التوجهات الحالية للحكومة والوزارة المعنية والرعاة في مؤتمر باريس.
فكرة الاستثمار في المياه ليست مستجدّة. فلطالما أسست لها مؤسسات دولية تمويلية كبرى بالتعاون مع كبريات الشركات العالمية في هذا القطاع. وقد سيطر هذا المفهوم على كل المنتديات العالمية التي تعقد سنوياً حول هذا الموضوع في مثل هذه الايام. والغرض الرئيسي كان، دائماً، تحويل المياه من حق على الدول تأمينه للناس الى سلعة قابلة للبيع والشراء والاستثمار. هكذا، يمكن أن نفسر ربط الوكالة الفرنسية شروط استعمال القروض لمشاريع الصرف الصحي بإبرام قانون المياه. بينما كنا نحب أن نفسّر الاسراع في إقرار قانون (غير المقترح) بربطه بوجود نية حقيقية لضبط الهدر في هذا القطاع وحسن الادارة وعدالة التوزيع، وهي شروط كافية لتوصيل المياه المتوفرة (من دون مزيد من الاستثمارات) الى كل الناس والقطاعات في لبنان، ولا حاجة معها، بالتالي، إلى أية مشاريع او مساعدات (قروض) خارجية.