بين المواضيع المطروحة على جدول أعمال جلسة اللجان النيابية المشتركة، اليوم، مشروع قانون الادارة المتكاملة للنفايات الصلبة كما عدّلته اللجنة الفرعية. التعديلات لم تكن في الجوهر. إذ اقتصرت على تعريفات وتوضيحات، لا سيما تلك المتعلقة بتقنية «التفكك الحراري» التي تبنتها حكومة تصريف الاعمال، اضافة الى محاولة «تشريع» مقترح وزير الطاقة بامكانية بيع الكهرباء بعد أن تنتجها معامل التفكك الحراري.

لا نعتقد بأن النواب الجدد، وهم باتوا اكثرية على ما يبدو في البرلمان واللجان، تسنى لهم الاطلاع على كل تفاصيل هذا الملف وخلفياته، وبات في إمكانهم وضع ملاحظات جوهرية على مشروع القانون او اقراره من دون دراسة. كما من المتوقع أن يحصل نقاش كبير حول المسؤوليات والصلاحيات في ادارة هذا الملف. إذ أن مشروع القانون يمنح وزارة البيئة صلاحيات واسعة، لا سيما في البند التنفيذي الذي يقترح إنشاء «الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة» التي تتمتّع باستقلالية مالية وإدارية وتخضع لوصاية وزير البيئة، وتخضع لأنظمتها الداخلية وأحكام هذا القانون وليس لأحكام النظام العام للمؤسسات العامة أو لمجلس الخدمة المدنية، بل لرقابة ديوان المحاسبة اللاحقة. ويقترح مشروع القانون ان يعيّن مجلس إدارة الهيئة ويحدّد نظامها وأصول التوظيف فيها وسلّم الرتب والرواتب بمرسوم يتّخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير البيئة، وأن تناط بها صلاحيات كثيرة وكبيرة منها: إعداد دفاتر الشروط الفنيّة والإدارية الخاصة بالمشاريع المركزية المتعلّقة بدراسات تقييم الأثر البيئي، وتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، وإجراء المناقصات الخاصة بالمشاريع المركزية المتعلّقة بتنفيذ هذه الاستراتيجية والاشراف عليها، وتقديم المشورة إلى وزير البيئة في شأن المشاريع المختلطة وتلك التي تطرحها الإدارات المحليّة لإدارة النفايات الصلبة لجهّة جدواها البيئية والاقتصادية، وفي شأن تقنيات معالجة النفايات بشكل عام. على أن يتولّى مجلس الإنماء والإعمار تنفيذ المشاريع المركزيّة، لحين بدء العمل بالهيئة.
هذه الصلاحيات الشاملة والواسعة لن تمر من دون جدل واسع. صحيح انها تحصر المسؤولية في جهة واحدة هي وزارة البيئة، بدل أن تكون موزعة، كما هي الحال الآن، بين البيئة والداخلية والتنمية الإدارية ومجلس الانماء والاعمار واتحادات البلديات والبلديات... وبالتالي يمكن تسهيل عملية المحاسبة، إلا أن ذلك يتطلب ثورة كبيرة في عقلية وزارة البيئة وهيكليتها لجعلها وزارة كبيرة ووازنة. واذ لا نعتقد بأن الظروف مهيأة لمثل هذه «الثورة»، خصوصا مع الكتل النيابية (المجربة) ومن خلال تقييم التجربة التاريخية في كيفية اختيار وزراء البيئة… يبقى الخوف أن تلزّم هذه «الهيئة»، ومن ورائها الوزارة، كل المهام المذكورة الى القطاع الخاص والخبراء المرتبطين بشركات لها مصالحها، فتضيع مصالح البيئة معها. علماً أن تجربة إقرار القوانين المتعلقة بمنح وزارة البيئة صلاحية القيام بتقييم استراتيجي للمشاريع ودراسة الأثر البيئي لها (وهي مواضيع في غاية الاهمية بالنسبة لبلد رأسماله الاساسي بيئته) لم تكن مشجعة كثيرا.
كما يتوقع أن يفتح الجدل حول كيفية اختيار التكنولوجيات للمعالجة (لا سيما بين الحرق والتفكك وتحضير الوقود البديل) وطرق التمويل والاتجاهات البعيدة المدى التي يرمي القانون للوصول اليها. وهنا نأتي الى بيت القصيد والنقد الاكبر الذي يطال مشروع القانون. فهذا المشروع ينص على ان يتم وضع «الاستراتيجية الوطنية للادارة المتكاملة للنفايات الصلبة» بعد سنة من إقراره! وهو أمر مستغرب، يخالف كل القواعد المنطقية. اذ يفترض أن تسبق الاستراتيجية القوانين، وهي التي يفترض أن تحدد المبادئ والاتجاهات البعيدة والقريبة المدى وما يجب تشجيعه وما يجب تجنبه. وكأن توصيات الندوة التي عقدت في مجلس النواب في 12/4/2017 ذهبت هباء، لا سيما تلك التي ركزت على ضرورة أن تسبق الاستراتيجية القانون وعلى تطوير المبادئ الواردة فيه، لناحية تطبيق مبدأ التخفيف ومنحه الاولوية على غيره من المبادئ، واضافة مبدأ الاسترداد، بمعنى رد بعض السلع التي تتحول الى نفايات خطر، الى مصادرها (منتجيها) ضمن دائرة مغلقة ومقننة ومراقبة. صحيح أن مشروع القانون يمنح الاولوية للتخفيف، الا أنه لا يقول كيف، ولا يربطه بنظام ضرائبي يصحح طرق الإنتاج والتسويق والاستهلاك، بدل الحديث عن ضرائب او رسوم، وظيفتها الرئيسية «استرداد كلفة المعالجة»، كما يرد في مشروع القانون. وقد اضاع وزير البيئة الحالي فرصة مناقشة هذه الاستراتيجية البعيدة المدى والتي كان يمكن أن تؤسس لقانون أكثر شمولا وعدلا. وفي المناسبة، لو كانت هناك استراتيجية شاملة تسبق القانون، لما اقتصر القانون على ادارة النفايات الصلبة دون السائلة، مع ما لهذه الاخيرة من مخاطر، لا سيما على المياه السطحية والجوفية وعلى الأنهار والبحر.