خمسون درجة مئوية هو معدل الحرارة الذي سيكون سائداً في عدد من مدن العالم، بحلول نهاية القرن الحالي. وهي درجة الحرارة «التي تبدأ فيها الخلايا البشرية بالموت» تدريجياً، وتعاني فيها الحيوانات، على اختلاف أنواعها، فيما تُنهك مكيّفات الهواء جراء استخدامها بشكلٍ متواصل.

هذه المرة، قفزت صحيفة «ذي غادريان» البريطانية عن المعالجة السائدة والمكرّرة لجوانب الاحترار العالمي، إلى سرد سيناريو شبه متخيّل حول وضع المجتمعات والإنسان عموماً، في ظل درجات حرارة قصوى ستصل إليها العديد من المدن عما قريب، مع ارتفاع درجة حرارة الأرض بوتائر أسرع من المتوقع. ولهذا السيناريو القاتم خطورة تتمثل في واقعيّته الشديدة أحياناً؛ إذ إنه مقتبس عن أحوال مدن وشعوب آسيوية، سبق وأن خاضت تجربة المعاناة التي فرضتها أخيراً موجات الحر الشديدة، وتخطت درجات الحرارة في صيفها الخمسين درجة.

موت بطيء
«الأرصفة فارغة، الحدائق هادئة، الأحياء تبدو بأكملها غير مأهولة بالسّكان». جميع المشاريع والنشاطات مؤجّلة خلال ساعات النهار. في الليل فقط، يظهر المقيمون في الشوارع ــ تماماً كما في قصص الخيال العلمي للكاتب البريطاني هربرت جورج ويلز ــ من دون أن تشهد درجات الحرارة انخفاضاً ملحوظاً، رغم حلول الظلام الذي لم يعد يوفّر لهؤلاء الراحة. الملاعب المدرسية شبه صامتة. في أحرّ ساعات النهار، يتم حظر العمل في الهواء الطلق، ليُستثنى منهم الفقراء والمشردون والعمال غير المسجلين؛ أولئك الذين لا يملكون رفاهية الحصول على تكييف الهواء، ولا يهربون من «سُحُب» الحرّ القاتلة.
ترتفع سخونة الإسفلت بنسبة 10 إلى 20 درجة مئوية أعلى من الهواء. فتصبح طرفة طهي البيض على الرصيف قابلة للتحقق. حوافر الكلاب تصبح أكثر عرضة للاحتراق خلال نزهة قصيرة، ولذلك يتم الاحتفاظ بالحيوانات الأليفة خلف أبوابٍ مغلقة. العديد من أنواع الثدييات والطيور غادرت إلى بيئات أكثر تسامحاً، وربما هلكت، والزواحف تفشل في تنظيم درجات حرارة أجسامها، أو التكيّف مع معدلات الرطوبة العالية. حتى الحشرات تعاني، فيما يدور الكوكب في حلقة مفرغة من التلوّث والتلوّث المضاعف.
أما المستشفيات فستشهد ازدياداً مطرداً في حالات «الإجهاد الحراري ومشاكل الجهاز التنفسي والأمراض الأخرى التي تفاقمت بسبب ارتفاع درجات الحرارة». كبار السن والبدناء والمرضى يصبحون الأكثر عرضة للخطر، فيما تميل شهية الإنسان عموماً إلى التلاشي، حين يتجنّب الجسم التسمم الغذائي الناجم عن النشاط الفيروسي والبكتيري المتّقد، فترتفع نسب الوفيات.
هكذا تبدو المدن في تقرير «ذي غارديان»، الذي يحيلنا أيضاً إلى تغيّرات سلوكية وفيزيولوجية تحدثها قساوة المناخ، إذا ارتفعت درجة حرارة المحيط بشدة وتخطت قدرة الإنسان (35 درجة مئوية)، والكائنات الحية عموماً، على التكيّف معها.

لهذا السيناريو القاتم خطورة تتمثل في واقعيّته الشديدة أحياناً (أ ف ب )

وفاة 144 يابانياً في 5 أشهر

يوم أمس، أعلنت دائرة الإطفاء اليابانية وفاة 144 شخصاً، ونقل أكثر من 70 ألف شخص إلى المستشفيات، منذ 30 نيسان/أبريل الماضي، بسبب الحر الشديد. وفق بيان الدائرة، توفي 6 أشخاص منهم في الأسبوع الماضي، في حين تم نقل 7079 شخصاً إلى المستشفيات بسبب إصابتهم بضربة الشمس. ويعود سبب زيادة عدد المتضررين من ضربة الشمس إلى استمرار ارتفاع حرارة الجو في جميع أنحاء البلاد، التي تتجاوز اليوم 40 درجة في مختلف المناطق اليابانية.


في الطريق إلى «درجة الغليان»
عند 50 درجة مئوية ــ أي في منتصف الطريق إلى نقطة غليان الماء وأكثر من 10 درجات مئوية فوق درجة حرارة الجسم الصحية ــ تصبح الحرارة «سامّة». وإذا ما ارتفعت درجة حرارة الجسم لتصل إلى 39 أو 40 درجة، فإن الدماغ يقوم بإرسال إشارات إلى العضلات حتى تبطئ من حركتها؛ وهو ما يزيد من الشعور بالإعياء. وإذا ما ارتفعت الحرارة عن 41 درجة، تبدأ وظائف الجسم في التوقف. الخلايا البشرية تُطهى، الدم يصبح كثيفاً، والعضلات الصدرية تنغلق حول الرئتين، في حين يختنق الدماغ بفعل نقص الأكسجين. وفي هذه ظروف القاسية التي تصاحبها نسب رطوبة مرتفعة، يصبح التعرّق ــ جهاز التنظيم الحراري للإنسان ــ غير فاعل.
عملياً، يمكن القول إن الخمسين درجة أصبحت تشكّل، منذ الأمس القريب، خطراً على أرواح عشرات الملايين من الأشخاص، مع امتداد الاحترار وتبعاته في جميع أنحاء العالم. هذا العام، سجلت مدينة تشينو، التي تبعد نحو 50 كلم عن مدينة لوس آنجلس، رقماً قياسياً بلغ 48.9 درجة مئوية، وشهدت مدينة سيدني 47 درجة مئوية، فيما سجلت درجات الحرارة في كل من مدريد ولشبونة 45 درجة. وتشير دراسات جديدة إلى أن فرنسا «يمكن أن تتجاوز بسهولة» 50 درجة مئوية بنهاية القرن الحالي، بينما يُتوقع أن تسجل المدن الأسترالية درجات حرارة مشابهة حتى قبل ذلك. في تلك الأثناء، تشير دراسات أخرى إلى الكويت، مثلاً، قد «تنصهر» وتصبح غير قابلة للسكن عما قريب، حين تتخطى درجات الحرارة في منطقة الخليج العربي 60 درجة مئوية.

ما العمل؟
وفق تقرير «ذي غارديان»، يعدّ تخفيف العبء والضغط السكاني المتزايد على المدن من أولويات جدول أعمال الحكومات والمنظمات غير الحكومية، كما تقول نيوجي، التي ترأست الأسبوع الماضي، ندوة حول تبعات التغيرات المناخية على المدن أقيمت في مدينة نيويورك. الإجراءات التي تم التباحث بشأنها تقتضي تنفيذ تغييرات حضرية في المدن، خصوصاً تلك التي تشهد اكتظاظاً سكانياً، لخفض حرارتها من خلال اتخاذ تدابير للحفاظ على المياه، خلق مساحات مظلّلة، و«تشتيت» الحرارة ومساراتها. وبمعنى أوضح، فإن قدرة الإنسان على التكيف مع المدن التي تصل فيها درجات الحرارة إلى 50 درجة مئوية، تصبح ممكنة فقط حين تتجه الحكومات إلى زيادة المساحات الخضراء في محيط المباني، وحولها، وعندما تُبنى الأبراج التي تمتص أشعة الشمس، على سبيل المثال لا الحصر. والحال أن العديد من المدن قد بدأت فعلياً بتطبيق هذه الخطوات.