تزامن احتفال المجلس الوطني للبحوث العلمية بمرور عشر سنوات على إطلاق «المركب العلمي قانا» الذي قام ببحوث متعددة في بحرنا الملوث في الفترة الماضية، مع إطلاق المسح البيئي البحري في الرقعتين رقم 4 و9 في المياه البحرية اللبنانية ضمن الأعمال التحضيرية للأنشطة البترولية، خلال حفل عقد في حرم مرفأ بيروت بدعوة من وزارة الطاقة والمياه وهيئة إدارة قطاع البترول.

صحيح أن في الأمر مصادفة، الا أن هناك دلالات كثيرة يمكن استنتاجها لما يحصل على مستوى الأبحاث العلمية المتعلقة بالبيئة البحرية من جهة، والمخاطر وكيفية مواجهتها من جهة أخرى، ومدى كفاية هذه الابحاث، والى من نلجأ لاستكمال النقص؟ ومن هي الجهة الوطنية التي تراقب وتدقق في المشاكل الحاصلة اليوم، وتلك المتوقعة بشكل اكبر في حال حصول حوادث نفطية كبرى في المستقبل؟
صحيح أن مركب قانا العلمي الذي قدمته الحكومة الايطالية قبل عشر سنوات قام بدراسات متعددة للتيارات البحرية وحدد مواقع الينابيع العذبة في البحر والاماكن الأثرية المغمورة، اضافة الى مسح الملوثات والمواقع الساخنة على طول الشاطئ وتحديد انواع الثدييات البحرية ودراسة التنوع الحيوي البحري ومخزون الثروة السمكية… الا أن كل ذلك كان على اعماق لا تتجاوز 200 متر، ولا بد من دراسات أكثر عمقا، اذا كنا قادمين على مشاريع التنقيب عن النفط والغاز في اعماق بعيدة وخطرة قد تصل الى 1700 متر!
الا أن الاسئلة البديهية التي يفترض أن تطرح: ما هي فائدة الابحاث الشاطئية والبحرية طوال العشر سنوات الماضية إذا لم تحل دون اتخاذ الحكومة قرارا بزيادة تلوث البحر عبر اعتماد مطامر للنفايات وعدم إنشاء اي محطات تكرير للمياه المبتذلة على طول الشاطئ؟! ولا تم انشاء هيئة طوارئ (او اعادة احياء تلك القديمة) خاصة بالحوادث النفطية التي تحصل اثناء نقل وتفريغ حمولات المشتقات النفطية التي تتمركز جميع خزاناتها على الشاطئ؟
واذا كان الدكتور معين حمزة الأمين العام للمجلس الوطني للبحوث العلمية يعتبر أن هذا الأخير هو «الساعد العلمي للدولة»، فلماذا يفرض على هذا المجلس التكتم على الأبحاث وعدم إعلانها، خصوصا اذا عرفنا أن سلطة الوصاية عليه المتمثلة برئاسة الحكومة كانت تحرص دائما على التكتم على الدراسات التي يمكن بإعلانها أن تضر بالسياحة او بالسمعة اللبنانية…
واذ يتحفظ حمزة عن ذكر الأبحاث التي لم تأخذ بها الحكومة ولا الوزارات المعنية، فإنه لم يستطع أن يذكر اياً من الوزارات التي اخذت بأي من هذه الابحاث، او أن ايا منها ساهم في تغيير سياسة من السياسات! مع العلم أن معظم الوزارات تستعين بشركات استشارية من القطاع الخاص، تدرس وتخطط وتضع دفاتر الشروط وتلتزم وتنفذ وتراقب نفسها!
اذا انتقلنا الى المخاطر القادمة الأخطر بما لا يقاس على الشاطئ والبحر من مشاريع الصرف والنفايات الصلبة، عنينا مشاريع التنقيب عن النفط والغاز على أعماق بعيدة، لا يمكننا الا أن نخاف أكثر اذا علمنا أن الدولة ممثلة بوزارة الطاقة وبمباركة من وزارة البيئة، عهدت الى الشركات التي ستحفر، لا سيما شركة «توتال»، بأعمال المسح البيئي للبحر على مرحلتين: الأولى تتضمن مسحا استكشافيا تستعمل فيه مركبات تعمل عن بعد لتصوير الأعماق مما يسمح بالتعرف على خصائصها، في حين تتضمن المرحلة الثانية أخذ عينات مياه من مختلف طبقات المياه ومن رواسب من قعر البحر لتحليل العوامل الفيزيائية والبيولوجية والمعادن الثقيلة والحياة المجهرية. فكيف يعهد الى من سيقوم بأعمال التنقيب والحفر والاستخراج أن يدرس هو نفسه ايضا الأثر البيئي؟! وهل تعرف الوزارات المعنية ما هو الهدف من هذه الدراسات؟
صحيح أنه ليس لدى الأجهزة الرسمية والمجلس الوطني للبحوث العلمية ولا مركب قانا القدرة على دراسة الأعماق التي تتجاوز 200 متر، وان التنقيب يمكن أن يحصل على اعماق تصل الى 1700 متر، الا أن هذه المهمة يجب أن تكون مراقبة على الأقل من جهات علمية وطنية منذ البداية.
أهمية الأبحاث الآن (أي قبل البدء بأعمال التنقيب)، تكمن في معرفة طبيعة الحياة في الأعماق وحجم التنوع البيولوجي البحري الموجود، وتحديد الأنواع والحدود التي لا يسمح بتخريبها أثناء الحفر والتنقيب، او تلك التي يفترض معرفتها في حال حصول تغيرات، بالاضافة الى امكانية مقاضاة الشركات في حال حصول ذلك. من هنا ضرورة إنشاء جهاز وطني مستقل عن الشركات للمراقبة، وعدم الاتكال على البيانات التي تقدمها هذه الشركات فقط. وهناك تجارب كثيرة في العالم، لاسيما مع بلدان نامية مثل لبنان، وقفت فيها الدول عاجزة أمام الشركات الكبرى عندما وقعت حوادث نفطية، إن من الناحية العلمية او من الناحية القانونية او لناحية تحديد الأضرار ومقاضاة الشركات.