في 16 آذار/ مارس الجاري، صدر كتابٌ لاقى صدى واسعاً في الصحافة، وهو عبارة عن شهادة صاعقة لضابط في الجيش الفرنسي يروي تورط بلاده في الإبادة الجماعية التي ارتُكبت في رواندا عام 1994. فبعد مرور 24 عاماً على هذه الواقعة، وفي وقت تتوالى فيه تحليلات أهل الاختصاص لإعفاء فرنسا من مسؤولياتها، جاءت تصريحات غيوم أنسل، الذي كان ضابطاً ضمن إحدى وحدات «الفيلق الأجنبيّ» الفرنسيّ المشاركة في عملية «تركواز» (فيروز)، لتنقض مرة أخرى الرواية الرسمية لـ«التدخل الإنساني» والذي تبناها خبير المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا برنارد لوغان، والصحافي الاستقصائي الفرنسي الكاميروني تشارلز أونانا.

إذا كانت هذه الشهادة المتعلقة بمجزرة اتسمت بالعنف الشديد، تعيد فتح جرح لم يلتئم بعد في الذاكرة الجمعية للشعب الرواندي، فإنها تُبرز أساساً حقيقة سياسة الجمهورية الفرنسية التي ألقت قواتها المسلحة داخل الحرب الأهلية لتحقيق أهدافها للهيمنة على أفريقيا التي طالما اعتبرتها حكراً عليها. عملية الإبادة التي استمرت من 6 نيسان/ أبريل حتى 4 تموز/ يوليو 1994، وأدت إلى قتل ما يقارب المليون رواندي، معظمهم من قبيلة «التوتسي»، مثّلت منعطفاً أساسياً أدى بالضرورة إلى تآكل النفوذ الفرنسي في أفريقيا. إن أخطاء التقدير السياسي التي وقعت فيها فرنسا والشجب الذي طال دعم باريس (الذي وصف بالإجرامي) للنظام الرواندي، أديا إلى توسع نفوذ الولايات المتحدة وتحول القرن الأفريقي تدريجاً إلى أرض تجريبية لعمليات زعزعة الاستقرار السياسي.
وسبق للصحافي الفرنسي والكاتب بيار بيان، أن حلَّل بإسهاب في كتابه «المجازر؛ الحروب السريّة للقوى العظمى في أفريقيا»، دور العمليات السريّة للتحالف الأميركي ــ الإسرائيلي في تأجيج الصراع في منطقة البحيرات العظمى الجيواستراتيجية، وكذلك دور الشبكات في هذا التحالف في حرب رواندا وتقسيم السودان. ولم تكُف كل من واشنطن وتل أبيب منذ ذلك الوقت عن تعزيز وجودهما وتمتين نفوذهما في بلدان مثل الكونغو التي تعج بمناجم المعادن، مع تشجيع إرساء أنظمة تابعة تحقّق بوفاء مصالح الدول الرأسمالية النيوليبرالية.
لكن نجاح «أمركة» واستتباع جزء من القارة الأفريقية يعود جزئياً إلى تراجع أفريقيا الفرنسية (La Françafrique) والذي بدأ نسبياً عام 1994 مع انطلاق العملية الفرنسية التي استُخدم شعارها الإنساني في تحقيق الهدف غير المعلن والمتمثّل في إنقاذ النظام الذي قام بالإبادة الجماعيّة. وقد مثلت المجازر الواسعة النطاق التي ارتكبها تيار الراديكاليين «الهوتو» الذين سعوا إلى تصفية «التوتسي» في رواندا ذروة استراتيجية التقسيم العرقي التي يُروّج لها منذ الحقبة الاستعمارية. وقد جرت هذه الإبادة الجماعية في سياق حرب أهلية تواجه خلالها الجيش الرواندي النظامي و«الجبهة الوطنية الرواندية ــ الجيش الوطني الرواندي» (المدعومة من الجيش الأوغندي المستفيد الرئيسي من المساعدات العسكرية الأميركية في أفريقيا)، وبعد تدخل فرنسا كحرس خلفي إلى جانب ورثة نظام الرئيس جوفينال هابياريمانا للإبقاء على النظام في السلطة.
في كتابه «رواندا، نهاية الصمت؛ شهادة ضابط فرنسي»، يتهم غيوم أنسل، الذي وصل في اليوم الـ 75 للتدخل الفرنسي، بلاده بتنسيق عملية إنقاذ لنظام مرتبط بالإبادة الجماعية. وبحسب الضابط المشارك في عمليات إطلاق النار الجويّة، فإن عملية «تركواز» بدأت كتدخل عسكري قبل أن تتحول إلى «عملية إنسانية».
تمّ حشد الجيش الفرنسي للقتال إلى جانب مرتكبي مذابح الإبادة الجماعية، حتى إنه خطط لهجوم كان من المقرر القيام به في الأول من تموز/ يوليو 1994 لمنع «الجبهة الوطنية الرواندية» من عبور غابة نيونغوي والسيطرة على جنوب غرب رواندا. أوقف هذا التدخل في اللحظة الأخيرة من قبل الإليزيه خشية التداعيات الكارثية للتدخل العسكري المباشر. ويتهم أنسيل باريس أيضاً بأنها سلمت أسلحة إلى مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية قبل تسهيل عملية هربهم نحو زائير (الاسم السابق لجمهورية الكونغو الديموقراطية) من خلال إنشاء منطقة إنسانية. وفي مقابلة مع صحيفة «ليبراسيون» في 15 آذار/ مارس، يتحدث الضابط عن تورط فرنسي أكيد في الإبادة الجماعية بذريعة الأعمال «الإنسانية». ويقول أنسيل: «جئنا أولاً لإيقاف الجبهة الوطنية الرواندية، وبالتالي منع انتصار أولئك الذين واجهوا مرتكبي الإبادة الجماعية. حاولنا إعادة مرتكبي مجازر الإبادة إلى السلطة، ثم ساعدناهم على الفرار، قبل إعادة تسليحهم عبر الحدود في زائير».
ويتطرق أنسيل على وجه الخصوص إلى التناقضات بين أجهزة الاستخبارات الفرنسية التي أقرّت بتورط النظام القائم من جهة، وعارضت من جهة أخرى التدخّل وتقارير الاستخبارات العسكرية وأصحاب وجهة النظر (أبرزهم فرانسوا ميتران) التي تقول بمسؤولية «الجبهة الوطنية الرواندية» في الهجوم على طائرة الرئيس الرواندي جوفينال هابياريمانا في 6 نيسان/ أبريل 1994، والتي أدت إلى مجازر الإبادة الجماعية. ووفقاً له، فإنّ إقالة ضباط الجيش الرفيعي المستوى الذين استنكروا عملية «تركواز» ورفض فرنسا فتح أرشيفها لإلقاء الضوء على هذه القضية تمثل أدلة دامغة على تورط باريس في الإبادة الجماعية في رواندا. وقد أدى ذلك إلى نكسة في نفوذ فرنسا في أفريقيا، ما ترك الساحة خالية أمام الولايات المتحدة لتعزيز دورها في القارة السمراء.
وتشهد بقية القصة على صعود «التوتسي» (الجناح المسلح للإمبريالية الأميركية) إلى السلطة، ليرتكبوا بدورهم مذبحة ثانية في رواندا، مثلت نقطة الانطلاق لنزاع إقليمي دام 10 سنوات، وكان موضوع بحث وتحليل أجراه «الدستوري» والباحث في العلوم السياسية البلجيكي فيليب رينتجينز في كتابه «الحرب الأفريقية الكبرى، انعدام الاستقرار والعنف وانحدار الدولة في أفريقيا الوسطى».