يبدو أن الخلافات بين بروكسل ووارسو حول سياسات الأخيرة المعارضة لـ«القيم الأوروبية» ستؤول بنحو غير مباشر إلى خسارة بولندا لنسبة كبيرة من الدعم المالي الذي تحصل عليه من الاتحاد الأوروبي في إطار «سياسة التماسك» التي تهدف إلى «دعم الدول الأعضاء الأقل نمواً». وتطرح المفوضية الأوروبية خلال عملها على المسوّدة الأولى لمشروع موازنة الاتحاد الأوروبي 2020-2027، تغيير المعايير التي تُوزَّع وفقها الـ350 مليار يورو المخصصة لهذه السياسة.

ومن المتوقع أن تتلقى كلّ من وارسو وبودابست الضربة الأكبر إزاء هذه التبدلات. وتُعَدّ بولندا المستفيد الأكبر في الاتحاد من هذه المبالغ، وستكون قد حازت 77 مليار يورو من أصل 350 مليار يورو بين عام 2014 وعام 2020. أما هنغاريا، فستكون حصتها 22 مليار يورو. ومن المتوقع أيضاً أن ينخفض المبلغ المخصص لـ«سياسة التماسك» في الموازنة المقبلة، بنسبة تراوح بين 5% و10%، وذلك إثر خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
هذه الرزمة كانت مخصصة لدعم الدول الأقل نمواً في الاتحاد. أما الآن، فستأخذ بروكسل معايير أخرى بالاعتبار في سياق هندسة آلية جديدة لتحديد نسب التوزيع، تعتمد على معايير أوسع: نسب البطالة لدى الشباب، التعليم، والهجرة. كذلك طرحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن تُخصَّص مبالغ أكبر للدول التي استقبلت العدد الأكبر من اللاجئين. كذلك ستقوم المفوضية الأوروبية بمراجعة شروط استحقاق الدعم لتضيف إليها: الامتثال لسيادة القانون، وفرض المزيد من القيود على كيفية استخدام أموال الاتحاد.

لا تعني هذه المبادرة أنّ بنية «الاتحاد» لم تعد بحاجة إلى إعادة تركيب


ومن المتوقع أن تذهب المبالغ الكبرى نحو دول الجنوب الأوروبي، أي اليونان، وإيطاليا، وإسبانيا، ما يعني أن الاتحاد بات يرى أن ليس بإمكان هذه الدول، خاصة اليونان، الاستمرار في ظل نسب نمو ضئيلة (كانت قد تحسنت قليلاً في عام 2017، وعادت في العام الحالي نحو التباطؤ) وأحجام هائلة من الديون المتزايدة عاماً بعد عام. وبعدما استخدم الاتحاد، لسنوات، هذه الدول كمثال لما يحصل لأي دولة أوروبية تهدد بالانفصال، بات اليوم أمام مهمة احتواء أزماتها كي لا تُغرِقُه في ظل معاناته أيضاً من تباطؤ في النمو، ومن الآثار التي سيتركها «البريكست».
بطبيعة الحال، لا تعني هذه المبادرة أنه لم تعد هناك حاجة لإعادة تركيب بنية الاتحاد القائمة على عملة موحدة واقتصادات متفاوتة وهيمنة ألمانية. وإذا أخذنا إيطاليا مثالاً، كما يقول المحرر في «فايننشل تايمز»، تَظهر الحاجة الملحّة للتغيير البنيوي، فالاتحاد لا يملك أي أدوات لاحتواء الأزمة في إيطاليا، خاصة أنّ رزم الإنقاذ أصغر من أن تتمكن من تحقيق ذلك. كذلك لا يمكن الاستمرار في التقشف كمنهج إنقاذ.
من هنا، مع تزايد المخاوف في الاتحاد في ظل «البريكست»، ووسط التوقعات بتباطؤ في النمو (ما يراه البعض عودة إلى الاتجاه التباطؤي الذي تشهده أوروبا منذ أزمة 2008)، إضافةً إلى الحرب التجارية التي يهدد بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، العالم للنيل من الصين (إذا لم يتوصلا إلى اتفاق)، تطرق الحديث بين ميركل وماكرون في الأسبوع الماضي إلى «إصلاح الاتحاد». ورغم أنهما اختلفا كثيراً، فإن الكلام بذاته عن الأمر إشارة إلى استيعاب الاتحاد حجم الأزمة التي يمكن أن يجد نفسه فيها.