تحليل صور الـ NASA اقتصادياً يبرهن أن المدن، لا الدول، هي البوصلة التي تحدّد تدفق الاستثمارات.

أثر العولمة على الدولة ــــ الأمة ومستقبل هذه الأخيرة، موضوعٌ خصبٌ لا يزال يشغل المفكرين حول العالم، بين مبشّر بنهاية الدولة ــــ الأمة ومنظّر لبقائها واستمراريتها كالشكل الاساسي للتنظيم السياسي المعاصر. ومنذ بروز نظرية «نهاية الجغرافيا» The end of geography المتمحورة حول قدرة العولمة على تخطّي العوائق الوطنية وحذف الفوارق الجغرافية، ظلّ الجدل متمحوراً في مجمله حول الدولة ــــ الأمة، وانتفاء دورها كالوحدة الاساسية لتنظيم الحركة الاقتصادية، لمصلحة تجمعات أشمل كـ «الدولة الإقليمية»، وهو المصطلح الذي أطلقه الكاتب الياباني Kenichi Ohmae في كتابهThe end of the Nation-State: The rise of regional economies في منتصف تسعينيات القرن الماضي، واعتبر فيه أن القرارات الاقتصادية الاساسية باتت تُتخذ على صعيد الاقاليم الجغرافية. إلا أن المدن بقيت الغائب الأساسي عن هذا النقاش، أو أنّها لم تحظَ بالاهتمام اللازم. علماً أن المعطيات تشير الى ان المدن هي المحاور الاساسية للاقتصاديات حول العالم، واللاعب الاساسي على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وان المستثمر يفترض به بدل التركيز على دولة معينة ان يصبّ اهتمامه على مدن بعينها.

مدن تتحكم بالعالم

تشير ابحاث McKinsey Global Institute الى أن 600 مدينة على الكرة الأرضية تولّد نحو 60% من الناتج المحلي الاجمالي على مستوى العالم. وعلى رغم أن العدد نفسه من المدن سيحافظ على الحصة نفسها من الناتج المحلي الاجمالي على مستوى العالم حتى 2025 إلا أن المدن المعنية ستشهد تغيرات لافتة مع صعود مدن عدة في «عالم الجنوب»، خصوصاً في افريقيا والشرق الآسيوي.

600 مدينة على الكرة
الأرضية تولّد نحو 60% من
الناتج المحلي الاجمالي

في عام 2007، ساهمت 380 مدينة في المناطق الاكثر تطوراً بـ 50% من الناتج المحلي الاجمالي على مستوى العالم، فيما ساهمت 190 مدينة في اميركا الشمالية بأكثر من 20%. ولكن، بحلول سنة 2025، فإن ثلث المدن في المناطق الأكثر تطوراً لن تجد لها مكاناً في المدن الـ 600، على ان تدخل 136 مدينة جديدة الى القائمة، جلّها من العالم النامي من بينها 100 مدينة من الصين وحدها!
وعلى مستوى الطبقة المتوسطة، يتوقع أن تكون مدن المناطق الناشئة ضمن قائمة الـ 600 موطن لحوالى 235 مليون أسرة من الطبقة المتوسطة ممن يجنون 20 ألف دولار وأكثر سنوياً، بحسب ازدواجية القوة الشرائية PPP، مقابل 210 ملايين اسرة من الطبقة المتوسطة في مدن المناطق الاكثر تطوراً.
أما في ما يتعلق بالسكان والقوى العاملة، فتشير الاحصاءات الى ان معدل السكان في المدن الـ 600 سينمو اسرع من سكان العالم ككل بـ 1.6، وانه بحلول 2025 ستضم هذه المدن 310 ملايين شخص اكثر من القوى العاملة، بمعظمها في اسواق الدول الناشئة.

أفريقيا والشرق الأوسط...

40% من الأفارقة يعيشون حالياً في مناطق حضرية، أي اكثر من سكان المناطق الحضرية في الهند واقل بقليل من النسب في الصين. ويتوقع أن يكون عام 2030 محورياً في تاريخ القارة السمراء. إذ للمرة الأولى سيقيم اكثر من نصف الافارقة في المناطق الحضرية بدل المناطق الريفية، مع تقديرات بأن تصل النسبة الى 60% عام 2050، وهو ما سيؤدي الى تزايد الطلب على السلع الاستهلاكية وتوفير الفرص الاستثمارية للشركات التي تتطلع الى الاستفادة من هذا التطور.
ووفقاً لتقرير صادر عن The Economist Intelligence Unit عام 2013، فإن العالم لطالما ركّز على القاهرة وجوهانسبورغ وكيب تاون كأكثر المدن كثافة سكانية في القارة الافريقية واكثرها تقديماً للفرص الاستثمارية. لكن التقرير يلفت الى اهمية مدن اخرى من حيث الحجم السكاني قد توفر فرصاً هائلة مثل أبيدجان ولاغوس وكينشاسا ولوندا والخرطوم ونيروبي.
الجاذب في افريقيا يكمن في النمو المطرد والسريع للطبقة المتوسطة من السكان وهي القادرة على صرف ما بين دولارين و20 دولاراً يومياً بحسب ازدواجية القوة الشرائية على ما تشير احصاءات البنك الافريقي للتنمية.
وأحد مكامن القوة في افريقيا هو قواها العاملة التي يمكنها ان تكون حيوية وديناميكية كنظيرتها الآسيوية، مقارنة بأوروبا التي تشيخ. وعلى رغم النظرة السائدة عن تخلف افريقيا تكنولوجياً، إلا ان القارة السمراء تخطو خطوات ثابتة نحو الصناعات غير التقليدية التي بدأت تكتسب اهمية متزايدة، بخاصة القطاع المصرفي. فرغم أنه لا يزال ادنى من المستوى المطلوب، إلا ان الخدمات المصرفية عبر الهاتف تعتبر أكثر انتشاراً في افريقيا مقارنة ببقية العالم.
الأهمية المتصاعدة لافريقيا تبرز جلية من خلال ما كشفته دراسة اجرتها الـ «إيكونوميست»، شملت 217 شركة عالمية تملك مقرات في اكثر من 45 دولة، بأن التوسع في افريقيا يعتبر اولوية بالنسبة لثلثي هذه الشركات خلال العقد المقبل.
ولتبيان اهمية المدن مقارنة بالدولة، اظهرت البيانات ان سكان المدن ينفقون اكثر من باقي سكان البلد بنسبة 94.4%.
ولفت تقرير آخر صدر عام 2014 عن The Economist Intelligence Unit الى أنه وعلى مستوى منطقة الشرق الأوسط وافريقيا فإن معدل دخل الفرد في المدن يفوق بـ 20% معدل دخل الفرد على مستوى البلد ككل. أما المدن الأغنى من حيث الدخل الفردي فهي مدن مجلس التعاون الخليجي واسطنبول وبيروت فيما الافقر مراكش والجزائر والبصرة والاسكندرية ومشهد والقاهرة وعمان...
قد يكون المشهد العام في بعض الدول غير مطمئن وغير مشجع وجذاب للاستثمارات، لكن نظرة دقيقة على حال المدن في هذه الدول قد تفرض على المستثمر اعادة النظر في حساباته والبحث عن الفرص التي قد لا تكون ظاهرة للعيان للوهلة الأولى. عوامل عدة تحدد مسار الاستثمار، لكن المدن هي من دون ادنى شك بوصلة اساسية توجه الاستثمارات وستكون لها اليد الطولى مستقبلاً.