يجمع عدد كبير من المعنيين على أن مصانع التدوير قادرة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على المساهمة في إيجاد حل لأزمة النفايات والمخلفات، إذا وضعت الدولة سياسة واضحة تجاه هذا الملف. وإذا تمت إدارة المخلفات بطريقة علمية وبيئية متكاملة يمكنها أن تكون ثروة للبنان، لا عبئاً عليه كما هو الواقع حالياً.


في أوروبا وغيرها من الدول الغربية المتطورة، يتم فرز النفايات إجمالاً من المصدر بهدف الاستفادة من كل نوع من المخلّفات. أما في السويد، البلد الرائد في مجال معالجة النفايات، فيُعاد تدوير ما يقارب 45% من المخلفات. من هذا المنطلق، نادى القطاع الصناعي في لبنان بوضع استراتيجية كاملة تبدأ من الفرز، وصولاً إلى التدوير والتسبيخ ومعالجة الكميات المتبقية بالوسائل المتاحة، ومنها الطاقة البديلة، لتصبح بذلك الكميات التي تحتاج الى الطمر ضئيلة جداً.

القانون سبب الفوضى!

في هذا الصدد، يرى رئيس جمعية الصناعيين فادي الجميل «أن صناعات التدوير هي جزء أساسي من أي مشروع لمعالجة النفايات، لذلك فإن الجمعية ترفض رفضاً قاطعاً الحرق الكلي للنفايات لما في ذلك من خطر على البيئة، كما على استمرارية هذا القطاع الذي تعتاش منه آلاف العائلات».
يغفل القانون الحالي المسؤوليات والأساليب الواجب اعتمادها بشكل واضح وكامل للتخلص من المخلفات، كما يترك خيار تقنيات المعالجة للشركات التي سترسو عليها المناقصات، في حين أنه يجب أن يلحظ ضرورة الفرز وضرورة التسبيخ مع تحديد النسب، وتحديد ملكية المخلفات.


يصدّر عدد من معامل إعادة التدوير في لبنان إنتاجه إلى الدول الاسكندينافية

يشرح الجميل «المشكلة اليوم تكمن في عدم تحديد القانون اللبناني لنسب التدوير المطلوبة أو المسموحة، ونسب الحرق ونسب الطمر والتسبيخ، الأمر الذي يتسبب بنوع من الفوضى. لذلك، لا بدّ من تحديد هذه النسب التي تتيح خفض كميات المخلفات التي تحتاج الى طمر. هنا، لا بد من التمثل بالقانون الأوروبي الذي يحدد نسبة تدوير الورق إضافة الى نسبة التسبيخ، على أن يُستفاد من المخلفات المتبقية إما لإنتاج الطاقة البديلة، وإما استعمال تقنيات الحرق».
ويضيف: «يعتبر قطاع التدوير في لبنان الذي يعود تأسيسه الى عام 1929 قطاعاً متطوراً، فهناك معامل لإعادة تدوير الحديد والتنك والبلاستيك، والورق والكرتون والزجاج، وكلها مصانع متطورة، بحيث يصدّر عدد منها منتجاته الى الدول الاسكندينافية. أما معامل الكرتون والورق، فـ 30% من منتجاتها هي من المواد المعاد تدويرها. لذلك، فإن الصناعات التدويرية بحاجة ماسة إلى هذه المخلفات، وخصوصاً أن هذا النوع من الصناعات رائد في لبنان، ويعمل اليوم بتقنيات عالية ويؤمن فرص عمل لآلاف الشباب اللبناني».

الصناعات الخضراء

بنت الدول المتقدمة كل برامج التنمية الاقتصادية التي قامت بها على الصناعات الخضراء. أما لبنان، فعلى الرغم من أنه متباطئ نوعاً ما في هذا المجال، إلا أنه بدأ، بفضل مبادرات فردية، بتسليط الضوء على أهمية هذه الصناعات، وخصوصاً أن هذه المعامل تساهم في حل أزمة النفايات.
في الولايات المتحدة الأميركية، ومنذ بضع سنوات، تم تطوير تقنية معالجة وتدوير النفايات بعد فرزها، والتي تقوم على مبدأ التخمير السريع الذي يحول النفايات العضوية الى سماد زراعي بواسطة مواد تسمى الأنزيمات.
وقد استقدمت شركة CEDAR ENVIRONMENTAL هذه التقنية الى لبنان منذ فترة، وقامت بإنشاء عدة معامل لتدوير النفايات في مناطق مختلفة بهدف الوصول إلى مبدأ «صفر نفايات”، من خلال تحويل النفايات المنزلية الصلبة إلى منتجات تجارية قابلة للبيع. عن هذا الموضوع، يقول مدير الشركة زياد أبي شاكر «إن قطاع إعادة تدوير النفايات قطاع مهم. غير أنه قبل الأزمة لم يكن يحظى بحقه من المواد المفرزة، إذ كان يتم طمر النسبة الأكبر من القمامة. ومعامل البلاستيك والورق والزجاج والحديد لم تكن تأخذ كمية كافية من هذه المواد».
ويتابع أبي شاكر «لعل النقطة الإيجابية في أزمة النفايات التي تغرق بها جميع المناطق اللبنانية هي تسليط الضوء على دور معامل إعادة التدوير، فعدد كبير من البلديات باتت ترسل نفاياتها الى هذه المعامل لتتخلص منها، وباتت بالتالي هذه المصانع تحصل على عدد لا بأس به من المواد لم تكن تحصل عليها في السابق، رغم أنه بنظر البعض أن المعامل التي تستفيد من المخلفات هي اليوم متضررة من تراكم النفايات في الطرقات لأنه في حال عدم حصول هذه المعامل على كمية محددة من المخلفات وفق حاجتها، أي على كمية يومية محددة من الورق أو من البلاستيك أو غيرهما، فسوف تعاني من نقص حاد في كميات المواد الأولية التي هي بأمسّ الحاجة إليها».
تشير الأرقام والإحصائيات التي يتداولها عدد من المهندسين والبيئيين الى أن 92% من النفايات قبل اندلاع الأزمة الحالية كانت تطمر. أما اليوم، وبعد إقفال المطامر، فلم يعد مصير هذه المواد الطمر العشوائي.
من الواضح أن لهذا القطاع الذي يخلق آلاف فرص العمل، والذي يساهم في دعم العديد من القطاعات الأخرى، مستقبلاً مهماً إذا طبقت الحكومة خطة سليمة وواضحة، وإذا ساهمت في تطويره، فهو رغم الإمكانات المتواضعة التي يملكها، إلا أنه يصدر المنتجات اللبنانية، ولا سيما الورق والزجاج الأخضر الى الخارج.
بدوره، يرى رئيس شركة «الجنوب للإعمار» رياض الأسعد «أن الحل الأمثل لمسألة النفايات يعتمد على تقنية التدوير ومن ثم تحويلها الى طاقة أو تصديرها، وقد برزت أهمية قطاع إعادة التدوير مع أزمة النفايات، ولم تعد بالتالي مجرد نظرية، بحيث باتت الحلول كلها تميل نحو التوجه الى سياسة التدوير بدلاً من الطمر والحرق. لكن ذلك ليس كافياً، إذ من الواجب تطوير هذه الصناعة والارتقاء بها الى مستويات أفضل».
ويتابع: «رغم أن غالبية اللبنانيين يدركون أهمية التدوير، إلا أن هذا القطاع بحاجة إلى بعض الوقت ليحدث التغيير المرجو على صعيد الثقافة اللبنانية، وذلك يكون من خلال تجميع النفايات وإنشاء معامل لمعالجة النفايات وإنتاج الـ«آر دي أف» لاستخدامها وقوداً لمعامل الترابة ومعامل أخرى، على أن يستخدم الوقود العضوي الناتج من معالجة النفايات».
«ليست كل النفايات زبالة»، عبارة لطالما ترددت في المناهج الدراسية والنظريات، غير أنها بقيت بعيدة عن التنفيذ لعقود. المؤكد أن الأزمة البيئية والصحية التي يتخبط بها البلد اليوم، نجحت في إبراز دور صناعة عمرها مئات السنين في لبنان. فهل تكون الأزمة الحالية حافزاً لتحسن وضعية هذا القطاع المهم من الصناعات الوطنية؟