سوق الفوركس، وهي اختصار لسوق الصرف الأجنبي أو تجارة العملات الأجنبية، سوق مالية غير مركزية تقوم على تحويل العملات الأجنبية وتبادلها. عندما تتداول في «الفوركس»، فإنك تقوم بشراء عملة وبيع أخرى. ولهذا السبب يجرى التداول في صورة «أزواج» للاستفادة من فارق تغير السعر بين العملتين. ويعود ذلك إلى حقيقة أنه لا يمكننا قياس قوة العملة سوى بمقارنتها مع عملة أخرى.


وما يزيد من جاذبية «الفوركس» وقدرتها المغناطيسية على التقاط مستثمرين ومتداولين جدد، وبكميات ضخمة، هو أن أساسيات الفوركس في حد ذاتها غير معقدة ولا تحتاج الى جهابذة في الاقتصاد لفهمها واستيعابها.
المعادلة واضحة، وتقوم على شراء عملة عندما يكون سعرها منخفضاً، وبيعها عندما يصبح سعرها عالياً. ويزيد عدم الحاجة الى استثمار مبالغ مالية ضخمة لتحقيق الأرباح من تعلق المستثمر بهذه السوق، فيصبح كالسمكة التي علقت في الطعم. إذ أن نظام «الفوركس» يسمح بالمتاجرة بمبالغ كبيرة قد تفوق بعشرات ومئات الاضعاف المبلغ الاساسي الذي استثمرته مع احتفاظك بالأرباح كاملة لنفسك. أما في حال الخسارة فإن خسارتك لن تتعدى هذا المبلغ الاساسي من دون الحاجة الى دفع اي فائدة أو مبلغ إضافي. في هذا الاطار، يشير عمر الأشقر مدير قسم التجارة والمداولات في «Aksys Capital» الى أن التداول في «الفوركس» في لبنان كان، قبل عام 2004، يجري عبر الهاتف وكان يأخذ وقتاً ولم يكن انتشاره واسعاً. لذلك فإن كان المستثمر في حاجة لدفع 50 ألف دولار لشراء 100 ألف يورو. أما بعد 2004 ومع إمكانية التداول «أونلاين»، فقد بات بالإمكان شراء 100 ألف يورو بـ 1% من قيمتها، أي بألف دولار، مما ساهم في توسع سوق الفوركس بشكل ملحوظ وزاد من الإقبال على هذه السوق.
هذه السلاسة وعدم الحاجة لاستثمار مبالغ كبيرة لتحقيق الارباح هي فعلياً أخطر ما في الفوركس، نظراً لأنها قادرة على إيهام الجميع أن في مقدورهم الربح وتحقيق الثروة وفقاً لارتفاع أسعار العملات أو انخفاضها. لكن ما خفي تحت قشور هذه المرونة الحسابية لا يعدو كونه أكثر صعوبة وعسراً.


90% ممن يتداولون بالفوركس يخسرون نظراً إلى انعدام الخبرة والطريقة المتهورة في التداول


وبقدر ما يبدو من السهل متابعة تحرك سعر صرف العملات إلا أنها تحتاج الى متابعة دقيقة وقراءة متأنية للوقائع والمعطيات السياسية والاقتصادية على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، وهي لا تخرج عن إطار التكهن والحظ في معظم الأوقات. فلا شيء حتمياً في هذا العالم. بالتالي من المهم معرفة المؤشرات الاقتصادية كبيانات الدخل القومي، معدلات البطالة... التي تصدر في بلدان رئيسية مختلفة، حيث تتزامن هذه المؤشرات مع اللحظات الأكثر نشاطاً لتداول الفوركس. لكن التأثير الأكبر يبقى للمصارف المركزية، بحسب الأشقر، وبخاصة الأميركي والبريطاني والأوروبي والياباني، التي تتبع سياسة تصرح عنها كل شهر وينتظرها المتداولون والخبراء في محاولة لفهم حركة السوق والعملات.
وللدلالة على صعوبة التداول بـ «الفوركس» والمخاطر الكبيرة التي يكتنزها، والتي تتناقض مع بساطته الظاهرية، يؤكد الأشقر أن 90% ممن يتداولون بالفوركس يخسرون نظراً لانعدام الخبرة وللطريقة المتهورة في التداول. وفي هذا الإطار من المهم الإضاءة على الفئات العمرية التي يستهويها الفوركس وكيفية تأقلمها مع هذه السوق. ووفقاً لمدير قسم التجارة والمداولات في Aksys Capital، فإن الزبائن الدائمين والذين يصمدون في عالم الفوركس هم من الفئة العمرية ما بين الخمسين والسبعين والذين يتمتعون بالخبرة والدراية الكافيتين، والذين يتميز أسلوبهم بالحذر وانعدام المخاطرة. أما فئة الشباب وطلاب الجامعات ممن يلهثون وراء الربح السريع من دون مشقة فمدة استمراريتهم القصوى لا تتعدى الثلاثة أشهر قبل أن يفلسوا.
وقد عرفت سوق «الفوركس» في لبنان ازدهاراً مضطرداً حتى عام 2011 حيث أثر تأزم الوضع الاقتصادي في السوق. لكنها تبقى جذابة للكثير من العاطلين عن العمل الذين يجدون في الفرص التي يتيحها مخرجاً من المأزق الذي يقبعون فيه. وما يزيد من المخاطر على نمو سوق «الفوركس» في لبنان هو قرار مصرف لبنان برفع الهامش الى 20% رغم مطالبات الشركات لمصرف لبنان بالعدول عن هذا القرار الذي يبدو أن لا رجوع عنه.
والهدف من رفع الهامش الى حدود 20% بالنسبة للأشقر يكمن في الرغبة في الحد من التداول بالعملات وحصره بالمصارف، ويصبح بالتالي على كل من يرغب في فتح حساب فوركس أن يفتح حساباً مع البنك.
والملفت في سوق الفوركس في لبنان، على خلاف باقي الدول، أن المتداول إذا ربح لا يدفع ضريبة على أرباحه للدولة.
إضافة الى ما تقدم، فإن سوق الفوركس، نظراً إلى ضخامتها، تجذب الكثير من المحتالين والمافيات التي تسعى لاستغلال سذاجة الناس ورغبتهم في الربح السريع، ما يعرض الكثير من الناس للغش والخداع، ما يفرض أخذ الحيطة والحذر والتأكد من قانونية الشركة وإذا ما كانت حاصلة على ترخيص. وفي لبنان يمكن لمن يرغب في التداول أن يتصفح موقع هيئة الأسواق المالية www.cma.gov.lb للتأكد من الوضعية القانونية للشركة وإذا كانت حائزة ترخيصاً.
إن قوة الفوركس المرعبة تكمن في بساطتها الظاهرية. وعلى كل من يرغب بالتداول أن يتذكر مقاعد الدراسة وامتحانات الرياضيات حين يبدو حل المسألة أسهل من المتوقع بما يثير الدهشة الأمر الذي يدفع الطالب الى التفكير مرتين قبل الإجابة والوقوع في المصيدة.




نشأة الفوركس وتطورها

نتج عن مؤتمر بريتون وودز الذي عقد في يوليو عام 1944، نظام سعر صرف بريتون وودز الذي تم بموجبه ربط العملات الرئيسة بالدولار الأميركي، بينما تم ربط الدولار الأميركي بالذهب.
عام 1971 ألغى الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون نظام تثبيت سعر صرف الدولار مقابل الذهب، وبالتالي ألغى تثبيت أسعار العملات مقابل الدولار، الأمر دفع بالعالم إلى التحول تدريجياً إلى اعتماد سعر صرف العملات الحر، فأصبح سعر العملة يتحدد نتيجة العرض والطلب ما نتج منه تحول العملات الى سلع تباع وتشترى نتيجة لتبدل أسعارها. وساهم التطور التكنولوجي وانتشار الإنترنت في ازدياد الإقبال على الفوركس نظراً لسهولة تنفيذ المعاملات.