فيما تجرى محاولات احتواء القيصر الروسي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، يبدو أن رجل روسيا القوي يساهم، من حيث يدري أو لا يدري، في ازدهار الفن السوفياتي، تاركاً جنرالات حلف الناتو يخططون، في وقت تغزو فيه اللوحات السوفياتية أبرز معارض الغرب «الإمبريالي ومتاحفه ومزاداته».


راق مفهوم «الواقعية الاشتراكية» ستالين. وعام 1932 جرى النص عليها في مقدمة البند الأول من النظام الداخلي لاتحاد الكتاب السوفيات، واعتبرت منذ ذلك الوقت عقيدة رسمية يعدّ كل خروج عليها هرطقة وخروجاً عن الأرثوذكسية الرسمية. وتهدف «الواقعية الاشتراكية» الى جعل فكرة (الاشتراكية) غاية يجب أن يستهدفها أي عمل فني، بما يؤدي الى منح وظيفة العمل الفني الأولوية بالنسبة الى طبيعته.
وأصبحت قضايا «البروليتاريا» محور الأعمال الفنية والأدبية، بما ساهم في «تحرير» الفن من عالمه البورجوازي الأرستقراطي النخبوي و»إنزاله الى الشارع». ومنذ سقوط الاتحاد السوفياتي، لم تلق اللوحات الفنية التي تجسد «الواقعية الاشتراكية» أي اهتمام بارز، الى أن تسلّم فلاديمير بوتين زمام السلطة.

من الرخص إلى ... الملايين

بدأ بيع اللوحات الفنية التي تعبر عن مفهوم «الواقعية الاشتراكية» خلال «البيروسترويكا» في عهد غورباتشوف. وكانت هذه اللوحات أو الأعمال الفنية والأدبية التي تصور هذا المفهوم تباع بأسعار زهيدة جداً. وكان الأجانب ينظرون إليها باعتبارها فاقدة لأي قيمة فنية ويشترونها لمجرد الذكرى.


منذ سقوط الاتحاد السوفياتي، لم تلق اللوحات الفنية التي تجسّد «الواقعية الاشتراكية» أي اهتمام

ومنذ سقوط الاتحاد السوفياتي وحتى بداية الألفية الجديدة، وقعت هذه الأعمال الفنية في غياهب النسيان. وكانت أسعار بعض اللوحات لأبرز فناني ذلك العصر تباع بأسعار قد يصل أدناها الى ألف دولار أميركي، فيما لا يتجاوز أقصاها 50 ألفاً.
لكن ابتداءً من عام 2000، بدأت هذه اللوحات تجذب جامعي التحف من حول العالم و كبرى دور المزادات. وعلى سبيل المثال، باعت دار «سوفكوم» “Sovkom” أكثر من 50 ألف لوحة خلال عشر سنوات، وكانت أول من حطم الأرقام القياسية لأسعار لوحات أبرز فناني «الواقعية الاشتراكية» كدينيكا ونيسكي وبوبنوف وبلاستوف...
أما دور المزادات «كريستيز» و«سوذبيز» و«ماك دوغالز» فقد باعت لوحات روسية بما مجموعه 146 مليون دولار أميركي.
عام 2008 شهد بيع أعلى سعر للوحة بريشة فنان روسي عبر التاريخ عندما بيعت لوحة كازيمير ماليفيتش في مزاد «سوذبيز» في نيويورك مقابل 60 مليون دولار.
وتنظم دورياً في كل من نيويورك ولندن وبرلين وروما وفرنكفورت معارض مخصصة لفن «الواقعية الاشتراكية» تجذب أعداداً غفيرة من الناس. وفي مينيابوليس في الولايات المتحدة، فتح رايموند جونسون متحفاً مخصصاً للفن الروسي، حيث يحفظ مجموعته التي تعتبر أكبر مجموعة لوحات واقعية اشتراكية خارج حدود الاتحاد السوفياتي السابق.

بوتين والحنين الى الماضي

وصف بوتين انهيار الاتحاد السوفياتي بأنه «أكبر كارثة جيو ــ سياسية حدثت في القرن العشرين». وبوتين ليس وحده الذي يفكر بهذه الطريقة. فالكثير من الروس يعتبرون أن انهيار الاتحاد السوفياتي كان كارثة بكل ما للكلمة من معنى، ولا يخفي الكثير من الروس حنينهم الى زمن الاتحاد السوفياتي والعظمة ورغبتهم في العودة في الزمان الى الوراء، وهو ما تؤكده معظم الإحصاءات منذ سنوات. فقد تبين للكثير من الروس أن الآمال التي بنوها والوعود التي أغدقت عليهم عن منافع الديموقراطية وما سيجنونه من سقوط الاتحاد السوفياتي لم تكن سوى كلمات سحرية، وأن ما حصدوه فعلاً كان تراجعاً في مكانة روسيا الدولية.
ونتج من عودة فلاديمير بوتين الى السلطة عودة هذا الحنين الى الماضي بشكل متزايد، وخصوصاً أن الرئيس الروسي نجح في صبغ صورة لنفسه في أذهان الروس على أنه المنقذ والمخلص القادر على قيادة روسيا الى العظمة من جديد.
بناء عليه، تكسب هذه اللوحات أهمية متزايدة عند الروس خصوصاً، نظراً إلى بعدها التاريخي النوستالجي والحنين الذي تولده أكثر من قيمتها الفنية، وهو ما ينعكس ارتفاعاً جنونياً في أسعارها.
في النهاية، ومن مهازل القدر أن تصبح لوحات أريد لها أن تجسد واقع البروليتاريا وأن تمجد النمط الاشتراكي للحياة فريسة يتصارع عليها عتاة الرأسماليين، وأن تعود هذه اللوحات من الشارع كما كان يتمنى منظرو هذا المفهوم الى الصالونات البورجوازية والمعارض والمتاحف من جديد!