يحكى أن أحد الملوك أصدر يوماً قراراً بمنع النساء من لبس المجوهرات والحلي، فقوبل بانتفاضة نسائية تمثلت بعصيان شامل ورفض للطاعة، مع تعمد تحدي القرار من خلال المبالغة في ارتداء المجوهرات. أمام هذا الواقع المتأزم، استعان الملك بأحد الحكماء، فنصحه بتبرير القرار على أساس أن الجميلات لا يحتجن للزينة وأن القرار سيسري على القبيحات فقط. وما هي إلا لحظات حتى تخلت النساء نهائياً عن المجوهرات.


لو كان هذا الملك في لبنان، لما اضطُرّ إلى اتخاذ مثل هذا القرار. ففي ظل الوضع الاقتصادي المتدهور وتراجع أعداد المغتربين الذين يزورون البلد، من يبالي بهذه «التفاهة»، فيما الأولوية للبحث عن لقمة العيش وتوفير أقساط المدارس والجامعات؟
وما كلمات نقيب الصاغة والجوهرجية أنطوان مغني إلا أبرز دليل على مأسوية الوضع، «فاللبناني معتر. من أين له أن يشتري مجوهرات؟ الله يساعده».

القطاع يتراجع

يعدّ قطاع المجوهرات من الركائز الأساسية للاقتصاد اللبناني، إذ تشكل صادرات المجوهرات والذهب نحو 30% من إجمالي الصادرات الصناعية اللبنانية. ويعود تألق صناعة المجوهرات في لبنان والإقبال المتزايد عليها، على المستويين العربي والعالمي، إلى أسباب عدة، أبرزها إبداع المصممين اللبنانيين وتصاميمهم المميزة، خصوصاً مع اعتمادهم على أحدث التقنيات والتكنولوجيا المتطورة، إضافة إلى رخص اليد العاملة في لبنان مقارنة بالدول الأوروبية والولايات المتحدة، ما يزيد من تنافسيتها. وتتربع دول الخليج العربي على قائمة المستوردين، تليها الدول الأوروبية والأميركية.
أما في ما يتعلق بالمنافسة، فعلى الصعيد العربي لا يوجد منافس حقيقي للبنان في هذا المجال، وتنحصر المنافسة بالتالي مع الأوروبيين.
إلا أنه مع انطلاق الثورات في العالم العربي عام 2011، شهد قطاع المجوهرات في لبنان تراجعاً دراماتيكياً، فانخفضت نسب تصدير اللؤلؤ والأحجار الكريمة وشبه الكريمة، والمعادن الثمينة (دون الماس الخام وسبائك الذهب والفضة بشكلها الخامي) من نحو 1.5 مليار دولار عام 2011، إلى 770 مليون دولار عام 2013 و 542 مليوناً عام 2014، لتصل اليوم إلى 237 مليون دولار.
بالنسبة إلى السوق المحلية، الاتكال الأساسي هو على «المغتربين اللبنانيين أولاً، وعلى السياح الخليجيين ثانياً، ومن ثم باقي السياح» بحسب بوغوص كورديان، نقيب معلمي صناعة الذهب والمجوهرات في لبنان.


مع انطلاق الثورات
في العالم العربي عام 2011، شهد قطاع المجوهرات في
لبنان تراجعاً دراماتيكياً

لكن بحسب نبيل عازار، صاحب مجوهرات Azar Gems ، «السياح والمغتربون تبخروا. انقرضوا. كنا نبيع في لبنان بالمقدار عينه الذي كنا نبيعه في الدول العربية، أما الآن فنبيع في لبنان بنسبة 10% مما كنا نبيعه منذ 4 و 5 سنوات». بالمختصر، «القطاع واقف» و»سنة 2015 بدأت متأزمة».

الإفلاس على الأبواب

على الرغم مما تحمله الأعياد والمناسبات الخاصة كالأعراس من ازدهار وازدياد في المبيعات «إلا أنها لا تكفي للاستمرارية والصمود» على ما يقول مصمم المجوهرات إيلي أنطون، الذي أسس عمله الخاص بتركيب المجوهرات وتصميمها وبيعها منذ عام 2003، ويؤكد أن صعوبة العمل في هذا المجال تكمن في أنه «Luxe» وليس من الضروريات. ومما زاد في تأزم الوضع ارتفاع أسعار الذهب التي أثرت سلباً على القدرة الشرائية للبنانيين المنهارة أصلاً».
ويُسهم الغش وبيع بعض التجار القطعة بمبلغ يفوق بكثير سعر الكلفة في زعزعة ثقة اللبنانيين بالتاجر اللبناني، ما يدفعهم إلى أن «يقصدوا مصممين أجانب وماركات عالمية، ولو تكلفوا مبالغ إضافية، هرباً من طمع بعض التجار وغشهم»، بحسب المصمم سيفاغ ديلسيزيان صاحب مجموعة DAS.
وأتت التظاهرات التي يشهدها وسط بيروت لتصبّ الزيت على النار وتعمّق من جراح القطاع. واستناداً إلى النقيب مغني، وقع تجار الذهب في «سوليدير» بين مطرقة الإيجارات الباهظة وسندان الاحتجاجات التي قد تدفع الكثيرين منهم إلى إغلاق متاجرهم، خاصة أن المسألة لم تعد مقتصرة على يوم ويومين.
وتأكيداً لهذا الكلام، يؤكد النقيب كورديان أن «بعض الشركات أغلقت بالفعل وانتقلت إلى دبي».

ما الذي يبحث عنه اللبناني؟

اللبناني متطلب رغم الظروف المادية الصعبة التي تكويه. وخبرة نبيل عازار مفيدة في هذا السياق. فعازار دخل معترك الذهب والمجوهرات منذ ما يقارب نصف قرن، وتعلم «المصلحة» في الحادية عشرة من عمره، من عمه الذي تعلمها من اليهود اللبنانيين قبل أن يصبحوا ذكرى من الماضي. وإضافة إلى عمله في لبنان وبيعه بالجملة في الدول العربية وأوروبا، يمتلك عازار مصنعاً وصالة عرض في الولايات المتحدة، وألبس العديد من المشاهير كليتيسيا كاستا وإيفا لونغوريا وإيفا هيرزيغوفا. والفرق بين المستهلك اللبناني والمستهلك الأميركي أن الأميركي، بحسب عازار، يحبذ المجوهرات البسيطة والناعمة، أما اللبناني فيفضل تلك المبهرة وغير العادية في التصميم.
أما ديلسيزيان الذي عمل أيضاً في الولايات المتحدة، فيقول إن الزبون اللبناني يقيس في معظم الأحيان سعر القطعة بحسب وزنها وسعر غرام الذهب، من دون الأخذ في الاعتبار الوقت والمجهود الذي يبذله المصمم ليخلق القطعة، على عكس المستهلك الأميركي الذي يقيّم القطعة بحسب جماليتها الفنية أكثر من قيمتها المادية.
والسعر الذي أجمع عليه كل من عازار وأنطون وديلسيزيان على أنه يجذب معظم اللبنانيين، هو الذي يراوح بين 500 دولار و1500 دولار للقطعة.
بالعودة إلى المأساة، فإن قطاع المجوهرات اللبناني تعلم كيف يخلق من الظلمة تحفاً فنية وتصاميم خلابة منذ بدايات القرن المنصرم وحتى يومنا هذا، وهذه الحقيقة تبعث على الأمل وتشير إلى أنه، وعلى الرغم من الصعاب التي يعاني منهاالقطاع فإنه قادر على البريق، خاصة أنه يسبق أقرب منافسيه في المنطقة بأشواط.