نمط الحياة السريع وإنتشار المطاعم التي تقدّم الوجبات السريعة، إلى جانب قلة الثقافة الغذائية وأسلوب الحياة الصحيَيْن، كلّها (وغيرها) عوامل أدّت إلى وقوع كثيرين ضحية الـ fast food. كيف لا؟ والطعام لذيذ وأسعاره تُناسب مختلف الميزانيات، والأهم أنّه لا يتطلّب وقتاً للتحضير. لكن، خلال السنوات الماضية، ومع ارتفاع الأصوات الداعية إلى محاربة السمنة حول العالم (راجع الكادر)، وما ينتج منها من أخطار فيزيولوجية وسايكولوجية، لوحظ اتجاه مجموعات كبيرة نحو نظام الحياة الصحي. نظام يبدأ بالطعام الصحي والمتوازن، ولا ينتهي بممارسة الرياضة.


في لبنان، لا تزال عيادات اختصاصيي التغذية آخذة في الانتشار في مختلف المناطق، فيما لا يتوانى هؤلاء عن تلبية الدعوات الإعلامية الكثيرة لتوعية المواطنين حول مواضيع عديدة تتعلّق بالصحة والغذاء.
زيادة عدد العيادات دليل على زيارة أعداد المهتمين بالمحافظة على أجسامهم أيضاً. ولأنّ هذه الفرضية فيها الكثير من الصحة، بدأت مجموعة من الـ dietitians تخطو خطوات أبعد. هكذا، بدأنا نشهد على ولادة مراكز التغذية التي لا تكتفي بمساعدة الزائرين على بلوغ الوزن المثالي عبر تحديد برامج لتناول الطعام خلال النهار، إنّما أصبح بالإمكان تزويد الراغبين يومياً بالوجبات التي تناسب وضعهم لتحقيق المراد. يترافق ذلك مع متابعة دقيقة للوزن وتركيبة الجسم نظراً لكميات الدهون والعضل والمياه الموجودة فيه.

انتشار بكثافة

تاريخ هذا النوع من المراكز في لبنان يعود إلى عام ١٩٩٠، لكن انتشارها بهذه الكثافة والسرعة يرجع إلى سنوات قليلة مضت، خصوصاً تلك التي توفّر الوجبات السريعة والصحية في آن معاً.
لكن من هم الأشخاص الذين يطلبون المساعدة من هذه المراكز؟ لينا (٢١ سنة) جامعية تمضي وقتاً طويلاً خارج المنزل. تريد إنقاص وزنها، لكنّ ظروفها تمنعها من التزام حمية غذائية. لذلك، وتجنباً للجوء إلى الوجبات السريعة من المطاعم، قرّرت لينا خوض هذه التجربة. «قصتي بدأت قبل ثلاثة أشهر وأنا ألمس نتائج لم أكن أتوقعها. فقدت حوالى ١٢ كيلوغراماً من وزني»، تقول. وتضيف: «يرسلون لي الطعام الذي أحب لكن مطهو بطريقة صحية. وسعيدة لأنّني وأمّي لا نقلق ولا نتعب في تحضيره».
آمال (٣٨ سنة) تريد إنقاص وزنها أيضاً، لكنّها تُعاني مشكلة في الغدد تمنع جسدها من حرق كمية طبيعية من السعرات الحرارية مقارنة بأي سيّدة في عمرها. كذلك، هي لا تملك الوقت الكافي لإعداد وجبات خاصة بها إلى جانب تلك التي تعدّها للعائلة، لا سيّما أنّها تعمل بدوام طويل جداً.
على الضفة الأخرى، هناك سامر (٢٦ سنة). الشاب الذي أنهى أخيراً دراساته العليا في العلوم السياسية، لا يعاني من مشاكل في الوزن. هو لاعب كرة سلة يشارك في مباريات داخل لبنان وخارجه، و«أثناء فترة التدريب، أنا بحاجة إلى التركيز وإلى اتباع نظام غذائي صحي ومتوازن لأكون على أفضل حال، إضافة إلى الانضباط والانتظام في أسلوب الحياة، والنوم لساعات كافية». ويتابع: «لا أريد أن أشغل أمي بالموضوع. عبر «ديلفري» الأكل الصحي الذي يستند إلى نوعية تدريبي ووضع جسدي، أحصل على كل ما أريد ومن دون عناء».
أما سلمى (٤٣ سنة)، فلها قصة مختلفة تماماً. تُعاني من مشاكل صحية بسبب ارتفاع نسبة الكوليسترول في الدم. «لدي هاجس دائم حول أنّني لا أعدّ الطعام بالشكل المناسب، كما أنّني يمكن أن أضعف أمام الدهون واللحوم الحمراء والحلويات»، تقول، مضيفةً: «عندما يصلني طعامي إلى المنزل أو إلى مقر عملي من مكان أثق بأنّه يقدّم لي أفضل ما يمكن، وعلى دراية تامة بوضعي الصحي، أشعر براحة نفسية تساعدني على الاهتمام بنفسي».

إذا أراد المرء الحصول على
وجباته الرئيسية اليومية الثلاث، إضافة إلى السناك، فهو يدفع مثلاً ٢٥ دولاراً أميركياً يومياً

هذه النماذج، تصب في خانة ما تقوله لـ«الأخبار» صاحبة مركز «دايت ديلايتس»، اختصاصية التغذية ماجدالينا الرومي. هي تؤكد أنّ الزبائن لا يقتصرون على الأشخاص الذين يريدون خسارة الوزن: «هناك من يعانون من أمراض في القلب والرئة والكلى وغيرها، إضافة إلى الحوامل. الطلاب الذين يمضون الكثير من الوقت في الجامعات، وأصحاب دوام العمل الطويل يستحوذون على الكثير من اهتمامنا لأنّ الطعام الصحي والمتوازن يزوّدهم بالطاقة والنشاط اللذين يحتاجونهما». علماً بأنّ مطعم Diet Delights الذي يتضمنه المركز موجود منذ حوالى سبع سنوات، أما المركز فعمره عشر سنوات.

تحديات كثيرة

تحديات عدّة يمر بها هذا النوع من المراكز تتعلّق بنوعية المواد المستخدمة ومراقبة مصادرها، ومراعاة أصول النظافة والجودة منذ وصولها، مروراً بإعدادها، وصولاً إلى تقديمها. حتى أنّ هناك من يصرّ على مراقبتها أثناء وجودها في شاحنات وبرادات التوصيل.
بحسب الرومي، يتطلّب الأمر التزام درجات عالية من الدقة والحرص، بداية بانتقاء مصادر موثوقة للمواد الأولية بما فيها المياه، وإجراء فحوصات دورية، وأخذ عيّنات عشوائية، والحرص على نظافة المكان والعاملين: «لا مكان للتنازلات. نحن ننتج النسبة الكبرى من موادنا الأولية. لدينا ملحمتنا الخاصة مثلاً، كما لدينا مديران متخصصان بمراقبة النوعية (Quality Managers)». برأيها، الأهم هو تأمين النوعية والتنوّع «لإرضاء أكبر شريحة ممكنة من الناس. منذ البداية، حرصنا على التجديد في الوصفات»، لافتةً إلى أنّ مفتاح النجاح هو «اختيار أفضل المواد لتحسين الأطعمة».

زيادة أسعار

لكن ألا يرتّب ذلك تكاليف إضافية، ما يؤدي إلى زيادة الأسعار؟ لا تنفي الرومي ارتفاع الميزانية، لكنّها تحاول إبقاء الأسعار «ضمن حدود المعقول. أسعارنا أقل من تلك التي يدفعها الزبون في الكثير المطاعم العادية. نحاول المحافظة على الأسعار لتأمين كميات بيع أكبر. لا أخفي سرّاً إذا قلت إنّ تركيزنا في الأرباح يصب على المشتركين الذين يحصلون على صناديق الوجبات، استناداً إلى النظام الذي يناسبهم، وتزامناً مع مراقبة دورية للنتائج».
وفيما تشدد الرومي على أنّ الهدف الأساس هو «التوعية إزاء اكتساب أسلوب الحياة الصحي والسليم والمحافظة عليه»، توضح أنّ أكبر تحدٍّ بالنسبة إليها هو الجمع بين الأكل المتوازن والصحي من جهة والمذاق اللذيذ من جهة أخرى.
وعند سؤالها عما إذا كانت تستخدم مواد عضوية في إعداد الطعام، لا تنكر ماجدالينا الرومي أنّ هناك مساحة مخصصة لها، غير أنّه «لا يمكن توفير أطعمة عضوية مئة في المئة في لبنان». كلام يبدو منطقياً، خصوصاً أنّ هذا القطاع ما زال بحاجة إلى كثير من التطوير في بلادنا. في هذا السياق، من المفيد الإشارة إلى أنّ الزراعة العضوية تستعين بالمواد الكيماوية، لكن «ليست المصنّعة، بل العضوية»، كما يؤكد رامي زريق، أستاذ الهندسة الزراعية في الجامعة الأميركية في بيروت، موضحاً أنّها تعتمد على الأسمدة الطبيعية الناتجة من الحيوانات، مثل روث الحيوان المسبّخ والمخمّر، كما أنها تبتعد من السلالات والكائنات المحوّرة وراثياً، والإشعاع المؤين والمواد الحافظة وغيرها. والمبدأ نفسه يُطبّق على مختلف المواد الغذائية العضوية.
الصعوبة تكمن إذاً في إنتاج طعام لذيذ وصحي في آن معاً. النجاح في هذا ممكن من خلال الاعتماد على مواد عالية الجودة، وإخصاصيين في الطهي والتغذية.

فرق عمل

في «دايت ديلايتس» مثلاً، هناك فريق عمل كبير يتألف من مجموعة من الاختصاصيين الغذائيين، ومراقبي النوعية، وطهاة مختصين (يفضّل أن يكونوا محترفين في مجالهم؛ الحلويات، والخبر…)، وآخرين ينفذون الوصفات، وأشخاص يحضرون الطعام ويوضبونه، وعاملي هاتف وتوصيل، وغيرهم.
أمام هذا الواقع، يبرز سؤال أساسي: هل يستطيع الجميع الاستفادة من هذه الخدمة، أم أنّها ترف لا يبلغه إلا الميسورون؟ نظرة سريعة حول هذا القطاع كفيلة بالخروج بنتيجة أكيدة: أسعار غير منخفضة، لكن متفاوتة.
إذا أراد المرء الحصول على وجباته الرئيسية اليومية الثلاث، إضافة إلى السناك، فهو يدفع في Diet Delights مثلاً ٢٥ دولاراً أميركياً يومياً، إضافة إلى كلفة التوصيل التي لا تتعدّى الدولارين، ما يعني أنّ المبلغ المتوجّب دفعه يومياً هو ٢٧ دولاراً. أي ٨١٠ دولارات شهرياً. مركز آخر رفض التحدّث إلينا، يحدّد سعر صندوق الطعام اليومي بـ٣٣ دولاراً، أي ٩٩٠ دولاراً شهرياً. وتُخبرنا رانيا (٣٩ سنة)، إحدى الزبونات السابقات أنّ «نكهة الطعام كانت مقبولة، لكن حجم الحصة كان صغيراً»، لافتةً إلى أنّه «غالباً ما كان يغلبني الإحساس بالجوع. وعندما كنت أعترض، لم تكن التعديلات مناسبة».
وتُكمل: «اقترح عليّ أحدهم مركزاً آخر. وأنا الآن مسرورة جداً». سعادة السيّدة تعود إلى سببين: الأوّل هو أنّ «الطعام أشهى». أما الثاني، فهو أنّها لا تدفع يومياً أكثر من عشرة دولارات: «بحسب معرفتي المركز يحافظ على معايير النظافة وأصول السلامة الغذائية»، كما أنّ اختصاصية التغذية المسؤولة عنه «شاطرة».
الخيارات في لبنان كثيرة، والمنافسة في أشدها وآخذة في التزايد في ظل اشتداد أخطار نمط الحياة السريع وتزايد المخاوف المتعلقة بالسلامة الغذائية في لبنان. فهل يثق اللبنانيون بالمراكز الموجودة وما تقدّمه؟ وفي حال وثقوا، هل يكونون قادرين على تغطية تكاليفها وسط الأوضاع الاقتصادية الصعبة؟




ميشال أوباما… Healthy

لعلّ السيّدة الأميركية الأولى ميشال أوباما هي أبرز الداعيات اليوم إلى اعتماد الطعام وأسلوب الحياة الصحيَيْن، خصوصاً لدى الأطفال، في ظل انتشار آفة السمنة. وفي سبيل ذلك، أطلقت حملة تحت عنوان Let's Move، ونشرت فيديو على الإنترنت، ناصحةً الأطفال بتناول الطعام الصحي. اعتمدت أوباما في هذا الفيديو على السخرية، إذ أمسكت بقطعة من اللفت (Turnip) وهي تغني «?Turnip for what» على لحن أغنية «Turn Down For What?» للمغني الأميركي ليل جون. وفيما اعتبرت الخطوة «غير لائقة بالسيّدة الأولى»، لم تتردد أوباما في الاستمرار، ناشرةً فيديو تنصح فيه بجعل «نصف طبقك من الفاكهة والخضار، وتناول الكثير من المياه والطعام المنزلي، ولا تنس التمرينات الرياضية».