صحيح أن الغرامات في قانون السير الجديد ترتبط بحجم المخالفة ومدى تأثيرها على حياة الناس، غير أن السلطات العامة التي تفرض هذه الغرامات، كما يرى كثيرون، لا تلتزم من جهتها بما يجب عليها تقديمه قبل المطالبة بالمقابل. فطرقات لبنان في مناطق عديدة مغامرة محفوفة بالمخاطر لمن يرتادها.


قد لا يصح إسقاط تجارب قوانين السير الغربية على الطرقات في البلد، غير أن وضع هذه الأخيرة ليس حجة كافية من أجل عدم احترام القوانين والقيادة بجنون وتهور. فبعد مطالبات وجهود امتدت لسنوات، تم إقرار قانون السير الجديد. يكمن الهدف الأساسي من وراء تعديله في تخفيض نسبة الحوادث والمخاطر على الطرقات، وخاصة تلك الناتجة من السرعة الزائدة، وعدم التقيد بالسرعة المسموح بها، تضاف إليه عوامل أخرى كعدم وضع حزام الأمان، واستخدام الخلوي أثناء القيادة، وعدم التقيد بالإشارات الضوئية، والقيادة عكس اتجاهات السير، وتناول الكحول والقيادة، والتجاوزات بسرعة جنونية قاتلة... كل هذه المخالفات تؤدي إلى قتل مئات الأبرياء سنوياً بعدد يوازي 4 أضعاف عدد ضحايا الجرائم الجنائية والحوادث الأمنية بحسب تقارير صادرة عن قوى الأمن الداخلي.

التوازن بين المخالفة والعقوبة

يشير مصدر حقوقي متخصص في هذا المجال إلى أن "التساؤل الأكبر بالنسبة إلى القانون الجديد يكمن في التوازن ما بين المخالفة والعقوبة، وهذا مبدأ جوهري من مبادئ القوانين الوضعية، إذ يجب أن تتلاءم العقوبة مع الفعل، فكيف نفرض عقوبة على مخالفة السرعة أو غيرها من المخالفات أرقاماً تتخطّى الدخل الشهري الكامل لمواطن عادي أقدم على مخالفة، وكأنه وجب عليه أن ينقطع وعائلته عن المأكل لمدة شهر أو ربما أكثر لدفع الفاتورة".
ويتابع "ليس الموضوع رفضاً أو انتقاداً للقانون الجديد. المطلوب الموازنة بين ما تطلبه السلطة العامة من رعاياها، مقارنة بما تقدمه لهم. فهل لاحظ أحد أن معظم الطرقات تفتقر الى إشارات تحديد السرعة القصوى؟ علاوة على أن أوضاع الطرقات سيئة للغاية، وليس هناك من تشدد في محاسبة أصحاب الآليات المهترئة...".

لا ذريعة

من جهتها، ترى نائبة رئيس جمعية "كن هادي"، لينا جبران "أنه لا بد بالتأكيد من تحسين وضع الطرقات، لكن لا يجب اتخاذ هذا الأمر ذريعة لعدم احترام القانون. فنسبة الحوادث القاتلة تمتد من الدورة باتجاه البترون، حيث وضع الطرقات مقبول نسبياً. من هنا، فإن السبب الأساسي لهذه الحوادث هو السرعة الزائدة وتناول الكحول والقيادة، وعدم وضع حزام الأمان".
ففي فرنسا على سبيل المثال، حيث معظم الطرقات مؤهلة، لوحظ ارتفاع نسبة حوادث السير، وبيّنت الدراسات أن السبب في ذلك يعود الى السائق نفسه وتصرفاته أثناء القيادة. لذلك، فالمسؤولية الكبرى تقع على عاتق من يكون وراء المقود.
وإلى الذين يجدون أن قيمة غرامات السرعة مرتفعة، تتوجه جبران بالقول "لقد مات ابني بحادث سير مروّع، والسبب "سرعة زائدة". لا أظن أن مال العالم بأسره قد يعوّض لي هذه الخسارة".
وتتابع: "صحيح أن مبلغ ثلاثة ملايين ليرة يتخطى بأضعاف الحد الأدنى للأجور، ولكن الذي يحترم القانون لن يغرّم، وبالتالي لن يضطر إلى مواجهة مشكلة اقتصادية لشهر أو شهرين. هذا أقل جزاء جراء تعريض حياة الآخرين للخطر. لا بل يجب أن تكون هذه الغرامة أكبر لكي يتعلم الجميع، فالحياة أغلى وأثمن من مال الدنيا كله. وهذه الطريقة الفضلى لردع عديمي المسؤولية، فالتوعية مهمة ولكنها في أحيان كثيرة لا تلقى آذاناً صاغية".
يؤكد المعنيون أن تطبيق قانون السير الجديد سيكون بفكرة عصرية وثورية تلائم كل مبادئ السلامة المرورية في العالم بهدف الحفاظ على الحياة على الطرقات وتخفيف عدد القتلى بحسب عقد العمل بالسلامة المرورية مع الأمم المتحدة 2011-2020 أي تخفيض عدد القتلى الى 50% في العام 2020 وتقليص هذه النسبة أكثر مع الوقت.

عدل في العقوبة

وفي هذا السياق، يرى المقدم جوزيف مسلّم، رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي "أن القانون سيطبق في كل المناطق اللبنانية على حد سواء. فالرادارات موجودة في مختلف المناطق: بعلبك، الشمال، حلبا، طرابلس، النبطية، صور، جزين... وتقوم المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بزيادة عددها تباعاً".
أما بالنسبة إلى الغرامات، "فإن العقوبة موازية للمخالفة، وتختلف قيمتها باختلاف نوع الخطر الذي يهدد السلامة العامة. وهي تتراوح بين 50 و750 ألف ليرة. غير أن تطبيق الفئة الخامسة يعني الغرامة المشددة، أي الدفع من مليون الى ثلاثة ملايين ليرة مع حجز المركبة، وصولاً الى السجن من شهر الى سنتين للسيارات التي تزيد سرعتها على 60 كلم/س للسرعة المسموح بها. على سبيل المثال: إذا كانت السرعة المسموح بها 50 كلم/س تضاف إليها 60 كلم/س فتصبح 110 كلم/س، عندها تصبح مخالفة من الفئة الخامسة وتراوح غرامتها بين مليون و3 ملايين، إضافةً إلى حجز الآلية. كما أن أي تأخير في الدفع يسبب تراكماً في الغرامات بالملايين".
وعن قيمة بعض المخالفات وتخطيها لقدرة البعض على الدفع، يشرح مسلم "من غير الممكن ربط القيمة بالحد الأدنى للأجور، فالغرامة ليست ضريبة دخل يجب أن يلتزم بها المواطن اللبناني، بل هي نتيجة المخالفة التي قام بها، وهي ترتفع مع ارتفاع نسبة المخالفة المرتكبة من السائق، مقارنة مع نسبة الخطر التي من شأنها أن تؤثر عليه. فالغرامة تحمي المواطن، وكلما ارتفعت القيمة كان المواطن أكثر تحسّباً، والتزاماً بالقوانين. وهذه أفضل طريقة لردع المواطن كي لا يكرر مخالفته طوال حياته. ومهما ارتفعت قيمة الغرامة، تبقى الحياة أغلى وفوق كل الماديات".
ويشدد مسلم على أن وضع صيانة الطرقات أساسي، ويطالب المعنيين من وزارات وبلديات بوضع خطط لإيجاد الحل المناسب. ولكن بقدر ما توجد مشاكل في الطرقات، بقدر ما يجب أن يطبق القانون بقساوة. فالطرقات الجيدة مع سائق متهور تؤدي الى حادث. كذلك الأمر، فإن الطرقات السيئة مع سائق مسؤول تحمي حياة الناس. صحيح أن وضع الطرقات ليس ممتازاً، لكنه ليس ذريعة للقيادة بتهور، وعناصر قوى الأمن الداخلي لن يتساهلوا في تطبيق القانون لأن هدفنا هو حماية أرواح الناس. ومهما كانت الغرامة كبيرة فهي لن تكون أكبر من مأساة وحزن عائلة فقدت غالياً بسبب حادث سير".
القانون ماض، والعبرة في التنفيذ، إذ إن هناك اقتناعاً لدى كثيرين بأن الخوف من الدفع لدى اللبنانيين وقساوة القوانين المطبقة قد يدفعاهم إلى القيادة بمسؤولية أكثر، لا شيء آخر.