يعاني قطاع تربية الابقار في لبنان من مصاعب عدة تترك انعكاسات كبيرة على المزارعين، سواء على صعيد العلف المستخدم والذي يؤثر بشكل مباشر في نوعية الحليب المنتج، أوعلى صعيد تصريف الانتاج. والنتيجة، خسائر بالجملة لا تستثني أحداً من أصحاب الرساميل الموظّفة في قطاع تربية الأبقار، إلى أصحاب المزارع الصغيرة. وما يزيد الطين بلّة هو نوعية الأعلاف والأدوية البيطرية المستخدمة واسعارها المرتفعة، فيما أسعار الحليب لم تواكب الارتفاع في الاكلاف واستقرت على 900 ليرة فقط لليتر الحليب الطازج.

ويقدر حجم قطاع تربية الابقار في لبنان بحوالى 40 ألف رأس من الأبقار الحلوب. منذ بضع سنوات، كانت ثروة البقاع من الأبقار تقدّر بنحو 9000 رأس بقر، تتوزّع على مزارع كبرى وصغرى، إضافة إلى ما يربّيه المواطنون في القرى البقاعيّة للاستهلاك الذاتي، فتنتج هذه الثروة ما يقارب 35% من الاستهلاك اللبناني. ويعتاش من هذا القطاع نحو 1000 عائلة بشكل مباشر، وحوالى 7000 عائلة تستفيد منه بطريقة غير مباشرة. أما اليوم، فلا تتخطى حصة منطقة البقاع الـ 4000 بقرة، ما أثر في شكل ملحوظ على إنتاج الحليب الذي هبط بحوالى 80%، وأدى بالتالي الى تدنّي القدرة الإنتاجية للحليب الطازج الذي يشكل 22% من مجموع نسبة الاستهلاك، فيما 78% من السوق تستخدم حليب البودرة.
وتؤكد غالبية المزارعين ان وضع القطاع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم. ولمواجهة هذا الواقع، يؤكد الخبراء انه يجب الانتقال بمشاريع تربية الأبقار من مجهرية وصغيرة إلى متوسطة وكبيرة، على أن يترافق ذلك مع مشاريع أخرى مثل تطوير آلية الانتاج، وذلك في إطار عمل تعاوني يضمن خفض الكلفة، وإنتاج نوعية جيدة من الحليب ومشتقاته وتسويقها وتأمين سوق لتصريفها.

تعتاش حوالى 1000 عائلة من قطاع تربية الابقار بشكل مباشر، وحوالى 7000 بطريقة غير مباشرة


قرض للبقرة

أطلق بنك مصر ولبنان "قرض البقرة المنتجة" بهدف تمكين المزارعين في المناطق الريفية، من خلال دعمهم وتشجيعهم على تأمين مداخيل لتطوير مشاريعهم الزراعية وزيادة الإنتاجية.
القرض كناية عن برنامج متكامل، بحسب ما يؤكد المسؤولون في المصرف، يتضمّن متابعة الأبقار من الناحية الصحية عبر إيفاد طبيب بيطري شهرياً لمعاينتها. إضافة الى ذلك، سيمنح المزارعون فترة سماح تمتد لأربعة أشهر قبل البدء في سداد القرض، ريثما تبدأ البقرة بالإنتاج. ويتوقع أن تنتج كل بقرة ما يعادل 250,000 ل.ل تقريباً كربح صاف لصاحبها شهرياً. وتكمن أهمية قرض البقرة المنتجة بأنه يشمل الفئات العمرية من 21 الى 66 عاماً، وبذلك يستفيد المتقاعدون من هذا القرض لإنشاء مشاريع زراعية تؤمن لهم مداخيل إضافية. الأبقار المستوردة هي من نسل "Holstein"، وستصل الى لبنان ومع كل منها "جواز سفر" يتضمن نوعها وكافة المعلومات عن نسلها وعن وضعها كونها ستكون في مرحلة الحمل عند وصولها الى لبنان. وستسجّل الأبقار في وزارة الزارعة للاستفادة من الدعم الذي توفره الوزارة في ما يتعلق بالاعلاف واللقاحات. ثمن البقرة أربعة ملايين ليرة، ويمكن للقرض ان يصل الى 20 مليون ليرة لبنانية أي ما يعادل ثمن 5 بقرات، بنسبة فائدة 20%.
المدير العام لبنك مصر لبنان فادي الداعوق اعتبر ان "قرض البقرة المنتجة" يشكل حافزاً للمزارعين للاقبال على الاستثمار في تربية الابقار، وهو في الوقت عينه مناسبة لتفعيل التعاون بين الوزارة والقطاع الخاص لتنمية الثروة الحيوانية. وأضاف ان المصرف مستعد لاعطاء المزارعين قروضاً لتطوير مصانعهم وآلاتهم بهدف الاستفادة من المواد المنتجة الى أقصى حد، لافتاً الى "أننا نؤمن بأن من واجبنا مساعدة ومساندة المزارع لتحسين مداخيله، وتشجيعه على الابتكار من خلال الاستفادة من مشتقات الحليب في تصنيع الجبنة واللبنة". ويتفاوض بنك مصر لبنان مع اكثر من شركة لشراء المنتجات من المزارعين. أما في ما يتعلق بنسبة الفائدة المرتفعة التي تصل الى 20% فقد ربطها الداعوق بكون القرض صغيراً، وأن الدفعة الشهرية لا تتعدى 115 ألف ليرة لبنانية وتشمل الفحص الصحي للبقرة مرتين شهرياً.

وزارة الزراعة تدعم

المدير العام لوزارة الزراعة لويس لحود شدد على "ان الوزارة تسعى الى تأمين مورد رزق للمزارعين لتثبيتهم في قراهم، لذا لا بدّ من تأمين الدخل اللازم لهم من خلال تشجيعهم على الاستثمار في القطاع الزراعي. فتربية الابقار تعدّ ميداناً واعداً نظراً الى زيادة الطلب على الحليب واللحوم المنتجة". ورأى أنه "لا بدّ من تطوير القطاع المحلي لانه لا يغطي سوى نحو 20% من الطلب في السوق ولا يتعدى 888 طناً يومياً في حين ان الكمية المطلوبة للاستهلاك تتعدى 2944 طناً. وهنا تكمن أهمية التعاون بين المصارف والمؤسسات المالية لتمويل المشاريع الزراعية لا سيما تلك المتعلقة بالانتاج الحيواني لمساعدة صغار المزارعين. ولفت الى أن "النمو السكاني وازدياد الغنى والتمدن باتت تترجم على شكل زيادة في الطلب على المنتوجات الحيوانية خصوصاً في البلدان النامية".
وبحسب آخر الارقام الصادرة عن وزارة الزراعة، يستفيد حوالى 40% من السكان في لبنان من الزراعة بشكل مباشر أو غير مباشر. ووصلت القيمة الاجمالية للانتاج الزراعي بشقيه الحيواني والنباتي عام 1998 الى مليار و250 مليون دولار اميركي، 20% منها من القطاع الحيواني، مسجلة بذلك زيادة ملحوظة مقارنة بالأعوام السابقة. إلاّ أن الانتاج الحيواني وخصوصاً المتعلق بإنتاج اللحوم الحمراء ومشتقات الحليب، لا يزال قاصراً عن كفاية السوق المحلية التي تستورد 80% من حاجاتها الغذائية والتي تشكل المستوردات الحيوانية 30% منها.

المزارعون يشتكون

ورغم حاجة المزارعين الى الدعم في ظل ما يعانونه من مشقات إلا أنهم أبدوا العديد من التحفظات والشكوك. فقد ذكر عدد من مربي الابقار في منطقة البقاع ان سعر البقرة التي يتم استيرادها من خلال القرض والذي يبلغ 4 ملايين ليرة مرتفع مقارنة بسعر السوق الذي لا يتخطى مليونين و500 الف ليرة لبنانية، ويشمل سعرها أيضاً اللقاحات، وهي قادرة ان تنتج الكمية عينها من الحليب يومياً. كما أن سعر الفائدة المرتفع لا يعتبر مشجعاً للكثيرين منهم الذين تساءلوا كيف يكون القرض مدعوماً طالما أن نسبة الفائدة تلامس 20%؟!
دعم الزراعة حاجة ماسة خاصة وأن حوالى نصف السكان في لبنان يستفيدون من هذا القطاع. قرض البقرة خطوة في هذا السياق رغم التحفظات المشروعة من قبل المزارعين. لكن يبقى السؤال الاساسي: كيف للمزارع الذي يقاتل يومياً لتأمين لقمة عيشه أن يتحمل قروضاً وفوائد مرتفعة؟

كلام الصورة:
يشكل الحليب الطازج 22% من مجموع نسبة الاستهلاك فيما 78% من السوق تستخدم حليب البودرة