هذا في علم النفس. أما في عالم الاقتصاد والمجتمع الاستهلاكي، فالمسألة أكثر تعقيداً. بدل أن تنحصر المنافسة بين الطفل وأبيه على كسب قلب الأم، يبرز التاجر كطرف ثالث ينبض قلبه حباً وطرباً للأم وخاصة في عيدها. وإذا كانت "عقدة أوديب" تنتهي إجمالاً عند بلوغ الطفل عامه الرابع أو الخامس، باقتناع الطفل أنه لا يمكنه أن يحل مكان والده في حياة أمه، إلا أن المنافسة مع التاجر تبقى غير محصورة زمنياً ومكلفة من الناحية المادية، وضحيتها الوحيدة، الأم.


ففي اليوم الذي يفترض أن تكرم فيه الأم لتفانيها وحبها، لتضحياتها اللامتناهية، في اليوم الذي يحتفى فيه بالعطاء من دون مقابل، في هذا اليوم بالذات يصاب مفهوم الأمومة بانتكاسة. في هذا اليوم تنتصر المادة على العاطفة، وتصبح فيه الأم مجرد "طباخة" أو "عاملة تنظيف"...
درجت العادة على ربط هدية الأم بالأدوات المنزلية والإلكترونيات. وتتسابق الشركات على تقديم العروض الجذابة والتخفيضات على الغسالات والنشافات والمكاوي... كما لو أنه قدر الأم ألا تنعم بالراحة ولو ليوم واحد، حتى في اليوم المخصص لتكريمها.

ابتكار لبناني

إلا أن أحد مكاتب توظيف العاملات الأجنبيات في لبنان ابتكر الحل المناسب لإراحة الأم وإلغاء هذه الصورة النمطية عن دورها ومهماتها. فعوضاً عن أن نغوص في عالم الأدوات المنزلية، والإلكترونيات والمفاضلة بين ماركة وأخرى، قررت هذه الشركة أن تقدم عرضاً، لمدة محدودة، على العاملات الكينيات والإثيوبيات. ومن قال إن اليابان رائدة في صناعة الروبوت أو الرجال الآلية؟ فهذه الشركة تقدم آلة، يمكنها أن تسير، أن تتكلم، أن تقوم بجميع المهمات المنزلية من دون أن يتعطل محركها أو أن تفرغ بطاريتها.


درجت العادة على ربط
هدية الأم بالأدوات المنزلية والإلكترونيات

أما وقد فات الأوان وحل عيد الأم هذه السنة، فما علينا سوى أن ننتظر عيد الأب لنتمتع بآخر ابتكارات الشركات والتجار للاحتفاء بهذه المناسبة. فحب التجار لا يفرق بين أبوة وأمومة.
وللمعلومة، يقابل "عقدة أوديب"، "عقدة إلكترا" عند الفتيات حيث تنتظر الفتيات منافسة شرسة مع التجار للاستئثار بقلب الأب.

عيد الأم تاريخياً

يزعم بعض المؤرخين أن تاريخ الاحتفال بعيد الأم يعود الى عصر الإغريق، في احتفالات عيد الربيع، وكانت هذه الاحتفالات مهداة الى الإله الأم "ريا"، الأم العظيمة لآلهة الإغريق.
أما الرومان فكانوا يحتفلون بعيد "ماتروناليا" المهدى الى الإلهة الرومانية "جونو" التي كانت تعتبر إلهة الإنجاب. إلا أن الاحتفاء بها كان يعني أيضاً الاحتفاء ببقية الأمهات وتقديم الهدايا لهن. ويعود الاحتفال بالأمومة أيضاً الى المسيحيين القدامى، من خلال تكريم القديسة مريم العذراء، باعتبارها أماً للمسيح، وهي المناسبة التي كانت تتوسع في إنكلترا لتضم جميع الأمهات وهو اليوم الذي كان يعرف بـ"أحد الأمومة".
إلا أن الفضل الرئيسي لما يطلق عليه "عيد الأم" الحديث، يعود للناشطة والكاتبة والشاعرة الأميركية جوليا وورد هاو في عام 1872 إذ اقترحت أن يخصص الثاني من يونيو من كل عام للاحتفال بعيد الأم، مهدى للسلام والمحبة.
إضافة الى هاو، تعد آنا جارفيس مؤسسة عيد الأم في الولايات المتحدة على الرغم من أنها لم تتزوج وتنجب. وعرفت باسم "أم عيد الأم" نظراً إلى محاولاتها الحثيثة للحصول على تقدير رسمي للأم والمرأة، من خلال عطلة رسمية وهو ما حصلت عليه عام 1911، حيث تم بعد ذلك الاحتفال بعيد الأم في معظم أنحاء الولايات المتحدة.
أما في العالم العربي، فقد طرح الصحافي المصري الراحل علي أمين فكرة أن يتم جعل الاحتفال بعيد الأم عيداً قومياً في مصر وبلاد المشرق.