يتباهى مصرفيو لبنان بأن نشاط شركاتهم لا يقتصر فقط على كونها الجسر بين ودائع الميسورين ــــ من المقيمين والمغتربين ــــ والمحتاجين، على رأسهم الدولة وبعدها الشرائح الشعبية المختلفة. بل يتخطى ذلك إلى خلق النقد وتوجيه استخداماته بهدف "خدمة الاقتصاد على نحو أفضل، وخلق فرص العمل" على حدّ تعبير أحدهم. صحيح أن هناك مغالاة معينة في هذا الادعاء، ولكن فعلياً تُعدّ المصارف التجارية ركيزة نظام الإدارة الاقتصادية القائم على حرية السوق وتدفق الأموال.


تفرض مقاربة هذا الواقع التطرق مباشرة إلى الأداة التي تستخدمها المصارف لتحقيق أهدافها، وهي الكتلة النقدية.

الكتلة الكبرى

تساوي الكتلة النقدية المتوافرة بين أيدي اللبناني وفي النظام المالي أكثر من ضعفي الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لآخر البيانات التي نشرها المصرف الاستثماري الأميركي، "ميريل لينش"، في تقريره الخاص عن المؤشرات المالية في البلدان النامية.
تبلغ قيمة هذه الكتلة ــــ وهي تتضمّن النقد المتداول والودائع تحت الطلب لدى المصارف اللبنانية ــــ 120 مليار دولار. غير أن أهمية تحليلها تكمن في ما تمثّله من الاقتصاد. فبحسب المصرف الأميركي تساوي هذه النسبة 248% من الناتج، وذلك بنهاية عام 2014، أي ثاني أعلى معدّل بعد هونغ كونغ وذلك بين 57 بلداً نامياً يدرسها المصرف في تقريره.
اللافت هو أنّ المعدّل اللبناني يساوي ضعفي المسجّل على مستوى آسيا وخمسة أضعاف ما تسجّله بلدان أميركا اللاتينية.
لهذا المؤشر دلالات عديدة، وإن ليست حاسمة، عن صحّة الاقتصاد وأفقه. ففي المبدأ، يُعدّ النقد المتداول، سلعة أخرى بين السلع المتداولة في السوق. ما يُميّز النقد هو أن النظام الذي يزدهر فيه يُتيح له أن يتم تبادله بأي سلعة أو خدمة أو عمل يولّد في الاقتصاد.

انعكاسات سلبية

من هنا فإنّ فائض النقد في اقتصاد معيّن، يؤدّي إلى انعكاسات سلبية في حال الاقتصاد عند مستويات التشغيل العليا. بكلام آخر، إذا كان الاقتصاد في مراحل الإنتاج والتشغيل التي تقترب من 100% (وهي لا يُمكن أبداً أن تصل إلى هذا المستوى إلا نظرياً) وشهد زيادة في عرض النقد، أكان عبر البنك المركزي أم عبر تدفق الأموال والودائع من الخارج، هناك خطر من أن يصل الأمر إلى حالة من الإحماء الزائد، وتالياً، التضخّم.


ربّما لا يجب التباهي بالمركز الثاني وراء هونغ كونغ لأن المركز يُحتّم المسؤولية والمسؤوليات في لبنان يصعب أن تجد من يتحمّلها

يُمكن تشبيه الحالة بوضع إنسان جائعٍ وصل إلى مرحلة الشبع بعد وجبة دسمة غير أنه استمر باستهلاك الغذاء؛ في ظلّ حالة الإشباع فإنّ جسمه سيلفظ الغذاء الإضافي.
هكذا يلفظ الاقتصاد النقد الفائض في إطار آلية عرض وطلب تؤدّي إلى تضخّم حتمي، أي إلى تراجع سعر العملة المعنية.
ليست هناك أدلّة حاسمة متوافرة عن العلاقة بين عرض النقد وبين معدل التضخم عموماً. وهذا الأمر صحيح على وجه الخصوص في الحالة اللبنانية التي يميزها كثير من الغموض على المستوى النقدي، وتحديداً في مجال العلاقة المالية مع الخارج – أي عبر ميزان المدفوعات، وهو وثيقة مالية ضرورية غير أنها لم تعد متوافرة منذ زمن بعيد في لبنان.
يخلص بنا الأمر إلى تقويم الحالة النقدية بكونها تعكس استقرار معدل سعر صرف الدولار أمام الليرة اللبنانية ضمن هامش محدّد من قبل البنك المركزي، وبكونها صنيعة السياسات التي تتبناها المصارف التجارية لتحقيق الأرباح. وهذا ما يعيدنا إلى منطلق الحديث، أي كيفية تصرّف المصارف بالكتلة النقدية لتحفيز الاقتصاد عبر مضاعفة تأثير النقد من خلال إقراض القطاعين العام والخاص.

عدم تناسب

يُعدّ عمل المصارف التجارية بسطياً جداً: فهي تجذب الودائع من المقيمين، من المغتربين ومن الأجانب لتُقرضها إلى المحتاجين لها من مستهلكين، مبادرين ومنتجين. ولكن رغم بساطة هذه الآلية، لطالما كان للخبراء الدوليين ملاحظات على عدم التناسب بين طبيعة الودائع في القطاع المصرفي اللبناني وبين استخدامتها. في التفصيل، يرى هؤلاء في سلوك استخدام الودائع قصيرة الأجل بهدف تمويل استثمارات طويلة الأجل – مثل شراء سندات الخزينة أو حتّى قروض التجزئة لتحفيز القطاع الخاص – خروجاً عن ألف باء الصرفة التقليدية.
هناك منطق سليم من دون شك وراء هذا التحليل، ولكن ربما ما تفتقده المصارف في مجال المبادرة الاستثمارية وروح المغامرة في الأسواق المالية – نظراً لطبيعة عملها المحافظ – تعوّضه في مغامرات صغيرة هي فعلياً التفافٌ على قواعد التوفيق بين الاستحقاقات المالية وبين التوظيفات. من هذا المنطلق أيضاً يُمكن فهم المناصرة المستمرة التي تمارسها المصارف – إضافة إلى الضغوط الإعلامية وفي الكواليس – لرفع معدّلات الفوائد على السندات طويلة الأجل، بهدف تعظيم إيراداتها في ظلّ عدم التناسب المذكور (بطبيعة الحال نحن نتحدث عن شركات هدفها الربح بالدرجة الأولى قبل أي اعتبار تقني خاص بكيفية تنفيذ الاستثمارات المالية).
هكذا تنجح المصارف، وفقاً لمعاييرها، في استخدام النقد ومضاعفة تأثيره. وهكذا أيضاً ينجح المصرف المركزي في تحفيز الاقتصاد عبر مد المصارف بالنقد الرخيص لتجنّب تباطؤ العجلة المصرفية.
غير أن التساؤلات حول طبيعة هذا النجاح كثيرة. فالهوة الموجودة في الاقتصاد، أي الفارق بين القدرة الإنتاجية المتاحة وتلك المحققة فعلياً، تبقى كبيرة؛ ووفقاً لتقديرات يتداولها المصرفيون قد تصل إلى 20%.




المصرفيون والسياسيون وتحمل المسؤولية

يتجنّب المصرفيون أنفسهم تحمّل عبء هذا التقصير الاقتصادي، ويُلقون باللائمة على النظام السياسي الذي يحدّ الابتكار ويمنع الازدهار عن عموم الشعب (مع العلم أنه من جهة أخرى يحفّز الإبداع والاحتيال للخروج من المآزق). بغض النظر عن محسوبيات هذا النظام الضيّق والأسباب المتنوعة التي تُتيح الفساد في كنفه، المشكلة الأساسية لهذه البيئة المالية هي أنها لا تولّد الحدّ الأدنى على مستوى استثمار الفائض المالي لتوسيع الاقتصاد. إذاً، الكتلة النقدية الكبيرة التي يتمتع بها هذا الاقتصاد – والتي قد تُصبح في وقت ما نقمة كما حدث بين عامي 2008 و2010 عندما غرق لبنان بالسيولة – لا تخدم بالضرورة حاجات هذا الاقتصاد، بل تساهم فقط في تغذية نظام استهلاك نقدي محافظ يحكمه إطار سياسي مترهّل. ربّما لا يجدر بنا التباهي بالمركز الثاني وراء هونغ كونغ لأن المركز يُحتّم المسؤولية؛ والمسؤوليات في لبنان يصعب أن تجد من يتحمّلها.