أصبحت الحاجة الى مراسيم قوانين لنفط البر اللبناني اليوم حاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى، وخاصة أن شركة "نيوس جيوسوليوشنز" الأميركية، بالتعاون مع شريكها المحلي "بيتروسيرف" المخولة إجراء المسح قد شارفت على الانتهاء من عملها، وباتت في صدد اعداد تقريرها النهائي حول الموضوع.

ونظراً الى طبيعة لبنان التي تنحدر من الجبل باتجاه البحر، من المؤكد ان البر يحوي مخزوناً مهماً للنفط والغاز لا نزال نجهله، علماً بأن المخزون الأكبر يقدر بأن يكون في البحر.

منذ مدة، أنهت شركة "نيوس" مسحها الجوي الجيوفيزيائي في لبنان، والمعلومات الجيولوجية التي ستصدرها تسمح بتقييم مخزون النفط والغاز في البر اللبناني بشكل مفصل. فهذا المسح العلمي، الذي يغطي مساحة ٦٠٠٠كلم2، يتضمن الجزء الانتقالي بين البر والبحر والمنطقة الشمالية من البر اللبناني٬ من دون منطقة الجنوب بسبب الأوضاع الأمنية وانتشار قوات اليونيفيل هناك؟ أسئلة تطرح بقوة.
كذلك، يتيح هذا المسح الثلاثي الأبعاد الحصول على مجموعة بيانات جيوفيزيائية لباطن الأرض التي سيتم تحليلها من قبل الشركات العالمية لتحديد أماكن وجود النفط والغاز وتطويره واستخراجه.
في هذا السياق، يشير مصدر من شركة بيتروسيرف، الى أن "نيوس استخدمت طائرة مجهزة بمعدات الاستشعار ذات الأجنحة الثابتة٬ للحصول على خمس خصائص جيولوجية أساسية، بما في ذلك بيانات مقياس الجاذبية والمقياس المغناطيسي والكهرومغناطيسي والمقياس الشعاعي وما فوق الضوئي. وقد سجلت كل هذه المعلومات من خلال قياس حركة التغيرات الطبيعية للخصائص الجيوفيزيائية التي تحصل إما على سطح الأرض أو في باطنها".
ويتابع: "تطير هذه الطائرة على ارتفاع يتراوح ما بين٢٠٠ و٣٠٠٠م٬ وهي لا ترسل أي ترددات مؤذية خلال عملها٬ ما يجعلها آمنة للإنسان والحيوان والنبات. لقد استطعنا أن نتجاوز من خلال الطائرة العوائق التي تشكلها التضاريس الصعبة للمنعطفات والسلاسل الجبلية التي تجتازها الطائرة بلا حسابات. ان اجهزة الاستشعار كانت مدعومة بمعدات تثبت على الارض من اجل قياس التيارات التلرومغناطيسية التي تنتج من باطن الارض".

الاهتمام الدولي لم يتبدّد

ينتظر لبنان التقرير النهائي المتوقع إنجازه قريباً. في هذا الإطار، يؤكد عدد من الخبراء أن كبريات شركات النفط العالمية لا تزال تبدي اهتمامها الشديد بلبنان، في وقت أبدت فيه ارتياحها أيضاً لوجود كمية كبيرة من البيانات الجيوفيزيائية عن النفط والغاز في مياهنا.


المخزون الموجود في البحر أكبر بكثير من ذلك الموجود في البر، ولكنْ في البر مخزون لا يستهان به


من هنا، فإن تقنيات المسح الجوي التي تم استخدامها في هذا المشروع هي نموذج دقيق ومتعدد النتائج، وقد استعانت به شركات النفط الرائدة لتدعيم قراراتها الاستثمارية والاستكشافية في أنحاء العالم.
لذلك، فمن المؤكد أن هذه المعلومات ستكون مفيدة للشركات التي استثمرت، أو قد تستثمر في المستقبل في التنقيب عن النفط والغاز في لبنان.
إن تحليل بيانات الآبار المحفورة قديماً وبعض البيانات الزلزالية الثنائية الأبعاد التي قامت بها شركة "سبيكتروم" قبل أن يتعذر عليها متابعة عملها بسبب طبيعة لبنان وكثرة تضاريسه، اضافة الى المعلومات الجيولوجية التي سيتم الحصول عليها من هذا المشروع سيساعد لبنان على فهم الصلة بين البر والبحر٬ ما يمكّن من استشراف مخزون المنطقة ككل.

القانون... حاجة ملحة

في المقابل، لا يزال العمل التشريعي الخاص بنفط البر عالقاً، وهذا ما قد يشكل عائقاً أمام عمل الشركات في المستقبل.
في هذا الإطار، يرى عضو كتلة التنمية والتحرير النائب ياسين جابر "أن لبنان اليوم في حاجة ماسة الى قانون واضح ينظّم هذا القطاع، لكن المجلس النيابي ينتظر مرسوم القانون من وزارة الطاقة ليبدأ عملية التشريع وبتّ هذا الموضوع".
لا شك في أن المشكلة الأساسية تكمن اليوم في المراسيم التي لم يقرّها مجلس الوزراء حتى الساعة.
من جهة أخرى، يشرح الخبير الاقتصادي وليد بو سليمان أن "المخزون الموجود في البحر أكبر بكثير من ذلك الموجود في البر. ولكن في البر مخزون لا يستهان به، سواء من النفط أو من الغاز، ويجب الاستفادة منه. فالتنقيب عن نفط البر أقل كلفة ولا يتطلب وقتاً طويلاً. أهمية البدء بالتنقيب عن نفط البر قبل نفط البحر تكون من حيث الكلفة فقط التي تكون في الحالة الأولى أقل بكثير بالنسبة للشركات المستثمرة، ويعود بأرباح للشركات وللدولة. أما للبحر، فنحن بحاجة إلى منصات وأنظمة تنقيب مكلفة".

من هنا، فإن الإشكالية الفعلية والعراقيل في ما يتعلق بنفط لبنان أكان في البحر أم في البر، هي السياسية بامتياز، إضافة الى الاختلاف في وجهات النظر بين الأطراف وعدم توافقهم على رأي واحد.
يتابع بو سليمان "في الواقع، التأخير ليس في مصلحة لبنان، وعامل الوقت مهم جداً بالنسبة إلينا. أولاً، حفاظاً على صدقية الدولة اللبنانية ولا سيما بعد الإخفاق في المناقصات التي تم تأجيلها أكثر من مرة، بسبب عدم إقرار المراسيم".
لقد أبدى لبنان جهوزية لبت موضوع نفط البر، وذلك من خلال المسح الذي جرى على امتداد 6000 كلم2. لا بد أن يأتي مع هذه الخطوة البدء بعمليات التنقيب. لكن ما ينقص لبنان بالفعل هو الإرادة التي تبعد المناكفات السياسية عن هذا الملف، وتضعها جانباً.
اما بالنسبة الى المراسيم فيقول بو سليمان "انها ممكن ان تتم بعد صدور تقرير الشركة النهائي. فهذه الإجراءات لا تتطلب وقتاً طويلاً، إنما هي مسألة أشهر قليلة إذا ما كانت النية الفعلية موجودة".
يتجسد الإنجاز الحقيقي ويترجم بسن قانون عصري يربط البحر بالبر أكان من الناحية الجيولوجية أم الموارد أم من الناحية الإدارية والقانونية والبشرية. فنفط البر اللبناني يشكل امتداداً للمخزون البحري من جهة، وللنفط البري السوري من جهة أخرى. وحتى الآن لا ندرك الثروة الفعلية الكامنة في باطن أرض لبنان. ما ينقص فعلياً هذا الملف كي تدور عجلته بشكل أسرع، هو ببساطة تقديم المصلحة العامة على المصالح الفردية، فهذه الثروة إذا ما استخدمت بشكل صحيح، ستغير مستقبل "لؤلؤة الشرق" وتعيد له دوراً ربما فقده في السنوات الخالية.