النقطة التي يتقاطع فيها زمن ما، مع مكان ما، هي... "العصر".

من سمات الوجود أن نعيش ما يطلق عليه الألمان تسمية "ذهنية العصر" أو Zeitgeist”".
في كل عصر، يعرب البشر عن آراء، ويتبنون مواقف يظنون انها نابعة من تفكيرهم الخاص، فيما هي في الواقع تأتيهم كنتيجة من "ذهنية العصر".
ليس الأمر بالقدر المحتوم، بل يمكن أن يقال إنه تيار شديد القوة من الصعب مقاومته.

لذا تجد أن لكل عصر خصائصه، لغته، أشكاله، ألوانه، عمارته، تعرفه من تسريحة الشعر، والثياب أحياناً...
حتى دون أن ندري، نعيش هذه "الذهنية" ونظن أنها أفعال شخصية، بينما هي في الحقيقة فعل عمل جماعي يتم إسقاطه بنسب متفاوتة على فرديتنا.

■ ■ ■


منذ أمد، يتطرق الكثير من المؤرخين وعلماء النفس والاجتماع والاقتصاد إلى مفهوم يسمونه "البقعة العمياء".
يخلصون إلى أن لدى جميع العصور بقعتها العمياء... وعصرنا مهما بلغ من التقدم والتطور، لن يشكل استثناء لهذه القاعدة.
ثمة جوانب كثيرة من الواقع الذي نعيش تفاصيله اليومية نعجز عن رؤيتها. غالباً ما يسأل كثير منا بعد سنوات كيف أمكنني ألا أرى ذلك، أو كيف كنا أو كانوا يقومون بذلك؟ تساؤلات مصحوبة بنوع من التعجب، لم يدركه أهله وقت معايشته.
إننا نرى أموراً لم يرها أسلافنا، ولكن ثمة أمور كانوا يرونها ولم نعد نراها، وثمة على وجه الخصوص أمور كثيرة سيراها أسلافنا ولا نراها نحن بعد، بما انه لدينا "بقعنا العمياء".

■ ■ ■


في لبنان اليوم، نعيش "خارج العصر". نعيش "ذهنية العصر" الخاصة بهذه المنطقة من العالم فحسب... مساحة ضيقة وتضيق.
أن يقال بالعّامية "وين صار العالم... وليك وين نحنا"، فهو بحد ذاته دليل على "ذهنية العصر" الخاصة التي نعيشها اليوم.
أن يصبح حلم أغلب الشباب اللبناني (الرأس المال الفكري الحقيقي للبلد) العمل في الصحراء (دبي نموذجاً) فذلك أكبر دليل على أننا نعيش "ذهنية العصر"... الخاصة.
"ذهنية العصر" المسيطرة على اقتصاد لبنان اليوم هي اليأس والانتظار... تماماً كالفارق في السلوك بين مالك جديد لعقار جميل، ومسافر في إحدى المطارات. الأول يستثمر في المستقبل، والثاني ينتظر بانتظار وجهته النهائية.
لا يبنى وطن أهله ينتظرون. ذلك هو المقتل الذي يصيب اقتصادنا الوطني... بتنا خارج العصر.