هل يشتري المال السعادة؟ السؤال عمره بعمر المجتمعات البشرية القائمة على حكم العملات، منحوتة كانت أو مصقولة أو مطبوعة. يُشكّل هذا التساؤل عصب التأمل الوجودي في مجتمعات العولمة ومنه تتفرّع تساؤلات أخرى: هل نكتفي بما لدينا؟ هل ما نملك يؤمّن الحياة الكريمة؟ ما هي الحياة الكريمة تحديداً؟

ومن رحم هذه التساؤلات التي تكتسب في كثير من الأحيان أبعاداً روحية للانعتاق من النزعات المادية، تُطرح مقاربات كثيرة بعضها تأملي والآخر مباشر للخروج من سلطة العملة في تقويم السعادة وصولاً إلى قياس رفاه المجتمع بتحديد سعادة أبنائه وليس عبر قياس ناتجه المحلي الإجمالي.

من بوتان

في سبعينيات القرن الماضي ابتكر الملك الرابع لمملكة بوتان، جيغمي وانغلوك، تسمية مؤشر "السعادة الوطنية الإجمالية"، في إصرار اجتماعي لبناء اقتصاد قائم على معايير السعادة المنبثقة من التعاليم البوذية عوضاً عن المعايير الغربية المادية التي تُقاس بالناتج الإجمالي.
لم تكن الفكرة بوهيمية أبداً. خلال السنوات الأخيرة وفي عز تأزم المجتمعات الأوروبية جراء فشل الأسواق المالية وتحمل الفقراء والمهمشين تبعات إنقاذ البنوك والمؤسسات الكبرى، عاد النقاش حول المعايير الحقيقية لتقدم المجتمعات.


سجل عدد المقترضين
ارتفاعاً بنسبة تفوق 7%
إلى أكثر من 499 ألف
مواطن مقترض

جاء التصريح الشهير لرئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون في عام 2010، ليُشكّل قمة هذا النقاش. قال السياسي "المحافظ": "حان الوقت لنعترف بأن هناك في الحياة ما هو أهم من المال، وعلينا البدء بإيلاء الأهمية لمؤشر الرفاه الاجتماعي العام، الذي لا يُمكن قياسه وتبادله بالسوق، عوضاً عن الناتج المحلي الإجمالي".
يُعد كاميرون سياسياً تقليدياً جداً في عصر العولمة المالية، وهو في الأساس يُشرف على عمل أحد أهم مراكز هذه العولمة، لندن. غير أن دعوات كهذه مطلوبة لكونها تسجل دفعاً نحو تحقيق توازن معين في النقاش العالمي حول العدالة وتقسيم الموارد.

إلى لبنان

فلنقزّم النقاش كلّه لمقاربة وضع بلد صغير مليء بالتناقضات، هو لبنان. هنا، تلعب المعطيات المادية أدواراً متزايدة في حيوات الأفراد والعائلات في ظل غياب الخدمات العامة المحترمة - الناجم عن انهيار الدولة - وغياب الحس الاجتماعي الجامع حول المصلحة العام.
يُصبح معيار التقويم الاجتماعي أي السعادة القائمة على تحليل نظرة الآخر، مرتبطاً بالنجاح في تأمين السلع اللازمة لتأكيد موقع مادي معين أو أهواء محددة. وتماماً كما باقي المجتمعات تلعب القروض المصرفية دوراً مهماً في هذا الإطار.
الفكرة هنا تقوم على مبدأ أنه كلما استطاع الفرد الولوج إلى القروض لتأمين احتياجاته والسلع الخاصة برفاهيته، كلما ازدادت سعادته؛ أي تحليل العلاقة بين معدل الاقتراض ومعدل السعادة.
فلنبدأ بالأول. توضح بيانات مصرف لبنان التي نُشرت أخيراً أنه بنهاية عام 2014 كانت القروض الإجمالية الممنوحة للقطاع الخاص في لبنان، والمستعملة فعلاً، 57.3 مليار دولا بنمو يقارب 9% مقارنة بالعام السابق. وبلغت قيمة القروض الشخصية 16.5 مليار دولار، أي ما يُمثّل قرابة 29% من الإجمالي.
وقد سجل عدد المقترضين ارتفاعاً بنسبة تفوق 7% إلى أكثر من 499 ألف مواطن مقترض؛ 75% منهم تتراوح قروضهم بين 5 ملايين ليرة و100 مليون ليرة.

هذه المؤشرات وحدها لا تعني شيئاً. غير انها تخبر الكثير حين يتضح أن معدل القروض الممنوحة للقطاع الخاص في لبنان إلى الناتح المحلي الإجمالي - والتي تعادل أكثر من 100% - تساوي ضعف النسبة المسجلة في السعودية أو في روسيا، وفقاً لأحدث بيانات للبنك الدولي.
لبنان بلد مديون فعلاً ليس فقط على مستوى المالية العامة إنما على صعيد موازنات العائلات والافراد. والمعدل المذكور هو من بين الأعلى في العالم مقارنة بباقي البلدان النامية؛ وهو من النسب القليلة التي تقترب من 100% أو تتخطاها، وهو نمط مسجل بقوة لدى البلدان المتقدمة. مع العلم أن الريادة في هذا المجال كانت لقبرص في عام 2013، تليها الدانمارك والولايات المتحدة.
إذاً في المبدأ، من المفترض أن تُستغل هذه المديونية اللبنانية الفضفاضة لتحقيق مستويات معينة من السعادة؛ ولكن الواقع ليس كذلك على الأقل بحسب المعادلات العلمية المستخدمة. فوفقاً لمؤشر الامم المتّحدة للسعادة الذي صدر أخيراً فإنّ الشعب اللبناني ليس سعيداً فعلاً، إذ أنه يحل في المرتبة 103 عالمياً بين 158 بلداً، وتتقدم عليه السعودية بأشواط إذ تحل في المرتبة 35 عالمياً.
اللافت هو أنه بحسب بيانات المنظمة الأممية تراجع لبنان 13 مرتبة لدى المقارنة بالبيانات المتوافرة لأعوام 2005-2007؛ ما يُعد من بين أسوأ النتائج المسجلة عالمياً.
تُمكن مقاربة المسألة بالاعتماد على "مؤشرات سعادة" أخرى، ولكن معظمها يُعد ترفياً بامتياز؛ نستطيع هنا ذكر مؤشر الكوكب السعيد الذي يعتمد معايير بيئة وديموغرافية لقياس سعادة المجتمعات ويضع لبنان في مراتب متقدمة - أي قبل المرتبة 70 في هذه الحالة! - غير أنه يبقى وراء السعودية.
الفكرة بمجملها، بعيداً من فذلكات السعادة، هي أنّ تضخّم مقومات الحياة المادية والعائلية - وهي في مجتمعنا الحديث الأدوات المالية والقروض - لا يؤمن بالضرورة الرفاه والسعادة للمواطنين الذين يشترون هذه الخدمات والسلع المصرفية - أي القروض والأموال - ويتكبدون فوائد عالية عليها بهدف شراء سلع أخرى.
ولكن رغم ذلك يبقى هناك من يقول إن اللبناني يزرع الكيف ويحصده كيفما تبدلت عليه الظروف، وتطورت معدلات الفائدة!