سنوات عجاف سياحياً مرت على البلدة المتنية القابعة على علو 750 متراً عن سطح البحر. بفضل موقعها الجغرافي المتميز وطابعها القروي المغلف بمسحة من التمدن من خلال المنتجعات والفنادق الفخمة التي تحويها، تجعل التنقل بين القديم والحديث، أمرا واقعا بين شارع وآخر.

خجولة هي برمانا خلال النهار. وديعة، ترتاح منذ شروق الشمس حتى مغيبها. وفي الليل حكاية أخرى، تخرج من هدوئها لتلتحف السهر واللهو وتكشف عن مفاتنها. ترفض أن تصبح من التاريخ، مجرد ذكرى للزمن الجميل ما قبل الحرب حين كانت محجةً للسياح العرب والاجانب. تتسلح بتاريخها وبمقوماتها لتعود الى المنافسة السياحية وبقوة.

رحلة العودة

ليس خافياً على من يعرف برمانا أن البلدة هذا الصيف لا تشبه نفسها. «برمانا بحكم الميتة وتعيش على أمجادها»، مقولة ترددت كثيراً على مسامع رئيس بلديتها ونقيب أصحاب الفنادق (صاحب فندق برنتانيا) بيار الأشقر على ألسنة العديد من المستثمرين الذين حاول سابقاً التواصل معهم للنهضة بالبلدة.
المقاطعة الخليجية والأوضاع السياسية في البلد وآثارها السلبية على القطاع السياحي «دفعتنا الى الذهاب نحو السياحة الداخلية، والإستفادة من الإمكانات المتوافرة» يقول الأشقر.
بدأت القصة منذ عامين ومن خلال شركة Printania Revival التي جلبت الى فندق برنتانيا مطعمي Classic Burger و Sushi ko. نجاح المطعمين كان باهراً وخيار الاستثمار في برمانا أثبت جدواه. يشير الأشقر الى أن «المطعمين المذكورين حققا أعلى نسبة مبيعات لهما على مستوى لبنان في فرعي برمانا».
يصعب إخفاء معطيات كهذه في بلد تجاهد فيه المؤسسات السياحية والمطاعم والمقاهي للصمود، حتى بات لسان حال الجميع... إلى برمانا در!
الصيف الماضي افتُتحت أربعة مطاعم جديدة في حديقة فندق برنتانيا الى أن وصل عدد المطاعم التي افتتحت هذا الصيف فقط في برمانا إلى 23 مطعماً، حيث ستُفتتح في 30 من الجاري في برنتانيا فيلا 8 مطاعم هي Duo، Blackrock،
Clown Lounge، Wrap `N`Roll،
Juice Box، Spiced and Sliced،
C Garden و Escobar.

أكبر تنوع للمطاعم... والأقل تلوثاً

يشير رئيس بلدية برمانا إلى أن البلدة أصبحت تضم أكبر تنوع للمطاعم، وبات بامكان الزائر ان يجد جميع انواع الماكولات التي يتمناها، من اللبناني الى الصيني الى الإيطالي والمكسيكي والبيروفي... وغيرها الكثير.
النمو السريع لبرمانا وجاذبيتها المتصاعدة حوّلا أوتوستراد المتن السريع من نقمة إلى نعمة. وفقاً للأشقر، فإن الأوتوستراد ساهم بداية في ضرب السياحة لكونه سهّل على الكثير من سكان المنطقة النزول إلى الساحل وتجنب مشقة القيادة الطويلة. اليوم أصبحت السيارات وبفضل الاوتوستراد تسلك اتجاهاً معاكساً، من الساحل نحو برمانا وبدقائق معدودة.
لا ينحصر تميز برمانا بالخدمات والنشاطات التي تقدمها لزوارها، بل يتعداها ليطاول الصحة والمناخ النقي، في ظل مآسي التلوث التي تنهش الطبيعة اللبنانية، ومختلف المناطق. يفخر الأشقر بأن تكون برمانا أفضل البلدات اللبنانية، من حيث نسب التلوث، وذلك إستناداً الى دراسة أعدتها شركة Apave الفرنسية وشملت حوالى 150 موقعا في لبنان.
إضافة الى ما تقدم، تستعد برمانا لاستقبال حدثين كبيرين هذا الصيف كفيلين باستقطاب عشرات الآلاف من الزوار. في تموز سيمتد «سوق الاكل» على مدى أربعة أيام. العام الماضي جذب الحدث 40.000 شخص وفقاً للأشقر، ويتوقع أن يكون العدد أكبر هذا العام. أما في شهر آب، وعلى إمتداد أربعة أيام أيضاً، فسينظم في برمانا مفهوم جديد اسمه cocktail factory ، الذي سيحوي جميع انواع الكوكتيلات في العالم، حيث سيكون هنالك عدد كبير من البارات تقدم ما هب ودب من المشروبات.
الأعداد الغفيرة المتوقعة التي بدأت فعلياً تملأ شوارع برمانا تطرح على بساط البحث معضلة المواقف، وخاصة أن معظم المطاعم والمقاهي تتمركز في بقعة جغرافية واحدة ومتلاصقة. هذا الواقع دفع بالمستثمر جورج أمين الأشقر إلى بناء موقف بإمكانه أن يستقبل ما يقارب 400 سيارة، ويقع على مقربة من قلب برمانا النابض.
محاولة تسهيل الظروف على المستثمرين لتشجيعهم كانت في صلب المساعي والمخططات التي وضعت لجذبهم. بدل الإعتماد على إيجار ثابت، كان أحد الخيارات وهو المطبق ما بين شركة printania revival والمطاعم المتعاونة معها، هو الإتفاق على حصة من الأرباح.
النقلة النوعية التي تشهدها برمانا لم تغب عن نقيب أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي طوني رامي، الذي أوضح أن برمانا كانت محصورة في الماضي بالمطاعم اللبنانية التقليدية، وأبرزها منير وفخر الدين وبرج الحمام وعدد قليل من المطاعم الأجنبية، فيما اليوم أصبحت موطناً لعدد كبير من تجمعات المطاعم على أنواعها، التي تقدم لروادها مختلف أنواع المأكولات وبأسعار تناسب الجميع، من الخمسة دولارات الى الـ50 دولارا.


التوسع في برمانا

بدأت تجربة Maillon Group الصيف الماضي في برمانا. تشير المديرة التنفيذية في المجموعة ياسمينا يارد إلى أنه وبعد استطلاع البلدة وحديقة فندق برنتانيا لم نتردد لحظة في الموافقة والإستثمار في برمانا. لا تُخفي يارد أن الخطوة اثارت مخاوف الكثيرين، الذين كانوا يرون أن برمانا فقدت الكثير من وهجها، لكن إيمان المجموعة بإمكانات البلدة وبتاريخها كان دافعاً أساسياً لخوض غمار التجربة.
لم يخب ظن المستثمرين الجدد. النجاح الذي لاقته المجموعة في برمانا فاق التوقعات بأشواط. توضح يارد أن «تقديراتنا الأولية كانت تشير الى أننا سنتمكن من تعويض استثماراتنا في خلال موسمين. الباهر أنه استلزمنا شهر واحد فقط لتحقيق مبتغانا، وهو ما شجعنا على تكرار الخطوة في هذا الفصل، والتوسع في إستثماراتنا من خلال إفتتاح هذا الموسم أيضاً maillon cafe في فندق garden ، وخاصة أن هنالك تنوعا في الخدمات التي تقدمها المجموعة، ولكون رواد كل من المطعمين مختلفين».
إلا أن إستثمار المجموعة وإهتمامها ببرمانا لا يزالان موسميين، وتؤكد يارد أن «التركيز حتى الآن ينصب على فصل الصيف، ولا مخططات لدينا لجعل الإستثمار سنوياً، أقله في الوقت الحاضر».

استثمارات بمليون دولار

فيما تنحصر نظرة بعض المستثمرين الى برمانا بفصل الصيف، قرر بعض الوافدين الجدد الإستثمار سنوياً في البلدة، ومنهم سلسلة مطاعم «زعتر وزيت». يدرج المسؤولين في المطعم إستثمارهم في برمانا في إطار «التوسع في لبنان والخارج للوصول الى اكبر عدد ممكن من الزبائن».
ستبلغ مساحة المطعم 116 م٢، بالإضافة الى تراس تبلغ مساحته 40 م٢، أما حجم الإستثمار فيراوح بين نصف مليون دولار أميركي ومليون.

وشتوية أيضاً

لصاحب مطعم café de france طوني حلو مقاربة مغايرة عن الكثيرين. يرى الحلو أن برمانا مرجع في الشتاء، وأن الكثير من زبائنه يقصدونه من مناطق بعيدة برغم الطقس الماطر والثلوج. بالنسبة للحلو فمن يستثمر في الصيف فقط يأتِ فقط للتجارة، أما نحن، فمؤمنون ببرمانا على مدار السنة، وقد مضت على تأسيس المطعم سبع سنوات، والمردود في الشتاء يفوق أحياناً مردود الصيف.
لا يخاف الحلو من الوافدين الجدد الى المنطقة، لا بل يرى في مجيئهم فرصة تمكنه من استقطاب زبائن جدد، ويشير إلى أنه فيما تكمن قوة الكثير من المطاعم الجديدة ما بين الساعة الثامنة ومنتصف الليل، فهو قادر على المنافسة حتى ساعات الصباح الاولى يومياً.
في برمانا الجميع متفائل. المستثمرون الجدد والقدامى. الكل يرى أن حصته محفوظة من قالب الحلوى، وأنه قادر على الإستفادة وإغتنام الفرصة. ما تحقق حتى الآن ليس سوى جزء يسير من الطموحات، وما تقدر على تقديمه برمانا. الخطوة الثانية، وفقاً لرئيس البلدية، تكمن في بناء اسواق تجارية جديدة، وقد بوشرت الدراسات لتشجيع المستثمرين ايضاً على بناء المكاتب. أما الهدف الأساسي، الذي تسعى للوصول إليه البلدة المتنية أواخر هذا الصيف، فهو التربع على عرش السياحة اللبنانية... كالمصيف الأول في لبنان.