الحاجة هي الدافع الأساس للإقتراض. نقص السيولة قد يمثل عائقاً كبيراً أمام تحقيق رغباتنا وتلبية احتياجاتنا. من هذا المنطلق يمثّل الاقتراض الطريق الأسهل بالنسبة الى كثيرين للحصول على الموارد المالية التي يحتاجونها، لكن، وبرغم أن الإقتراض في حدّ ذاته ليس خطراً، أو بتعبير آخر ليس مرعباً بالقدر الذي يتصوره البعض، قد يُدخل سوء التخطيط والدراسة وغياب المعرفة الدقيقة بقدراتنا المالية وإمكاناتنا على المدى الطويل المقترض المتهور في نفق مظلم وطويل.

يسهل دوماً إلقاء اللوم على الغير ومحاولة تجنيب أنفسنا الملامة. بناء عليه، تحمل القروض ذنوب العديد من العملاء وتهورهم. الإقتراض ليس مزحة أو أمراً بسيطاً من دون أدنى شك. فالتخلف عن السداد والإستخفاف بالتزاماتنا المالية تجاه المصرف أو اي مؤسسة مالية قد يعرّضنا للملاحقة القانونية. يمثل القرض النور الساطع في آخر النفق المظلم. يتناسى الكثيرون المسافة بين أول النفق وآخره ويصبّون إنتباههم على النتيجة. إلا أن ما بين الإقتراض وسداده مراحل عدة ذات أبعاد مخيفة... أهمها الآثار السلبية على الصحة.
في دراسة نشرت عام 2013 للباحثين سندهيل مولايناثان وادار شافير، تبيّن أن العجز المعرفي الذي ينتج من الانشغال بالمسائل المالية يعادل خسارة 13 نقطة من اختبار الذكاء IQ، أو فقدان النوم لليلة كاملة، أو حتى أن يكون الشخص مدمن كحول.
دراسة أخرى أعدتها مؤسسة Citizens Advice في المملكة المتحدة كشفت أن ثلاثة من أصل أربعة أشخاص قالوا ان الديون والهموم المالية تؤثر في صحتهم العقلية، وأكثر من نصف المستطلعين أشاروا إلى تأثيرها في صحتهم الجسدية.

المستطلعين المدينين
أظهروا معدلات إجهاد وعوارض إكتئاب مرتفعة

وما زلنا في أول الغيث

دراسة لجامعة نورثويسترن في الولايات المتحدة عام 2013 شملت 8400 مستطلع راوحت أعمارهم بين 24 و32 سنة، أظهرت أن المستطلعين المدينين زاد ضغط دمهم الإنبساطي بنسبة 1.3%، وهو مؤشر مهم سريرياً. فزيادة بنسبة 2% بمستوى ضغط الدم الإنبساطي تؤدي الى زيادة في نسبة ضغط الدم بنسبة 17% وزيادة في إحتمال الإصابة بسكتة دماغية بنسبة 15%. كما تبين أن المستطلعين المدينين أظهروا معدلات إجهاد وعوارض إكتئاب مرتفعة.
من جهة أخرى، وفيما يكون هم الطالب الأساسي إكمال دراسته والتخرج وتأمين الموارد المالية لسداد الأقساط الدراسية والجامعية، تكشف دراسات عدة أن القروض الدراسية التي ساهمت في مرحلة ما في مساعدة الطلاب على إكمال تحصيلهم العلمي لها إنعكاسات خطيرة على صحة الطلاب العقلية والجسدية. فقد كشفت دراسة صادرة لمعهد غالوب عام 2014 شملت 11000 طالبت تخرجوا منذ 1990 أن من أخذوا منهم قروضا دراسية تخطت قيمتها 50 ألف دولار أميركي أظهروا معدلات أقل بعشر نقاط عن نظرائهم غير المدينين في ما يتعلق بحالتهم الجسدية.
ومن حيث الصحة العقلية للطلاب المدينين، أبرزت دراسة من جامعة ساوث كارولينا في الولايات المتحدة شملت 4643 أميركياً مولودين بين 1980 و1984 أنه كلما زادت قيمة القرض الدراسي انخفضت الصحة العقلية للمقترض.
واللافت أن نتائج الدراسة أوضحت ان الدين الدراسي يؤثر في الصحة العقلية بغض النظر عن الظروف الإقتصادية والإجتماعية للمقترض. فاذا اقترض طبيب جراح ومعلمة حضانة المبلغ ذاته أيام الجامعة لإكمال تحصيلهما العلمي، فسيظهران الإهتمام عينه في ما يتعلق بسداد القرض.
والمفاجئ الى حد الغرابة كان أن الطلاب ذوي الخلفية الإجتماعية المتواضعة أظهروا إرتفاعا في معدلات صحتهم العقلية، وذلك قد يعود الى أن القرض ساعدهم على الحصول على شهادة وبالتالي الإرتقاء إجتماعياً.
ليس القرض، إنما كيفية التعاطي معه ومقاربته ما يمثل خطراً. لذلك، ولتجنب أي مشاكل قانونية، والاهم لتحصين الصحة، يفترض التفكير جدياً وبدقة في ما إذا كانت الظروف المالية تسمح بالاقتراض.