قبل تجربة زحلة، كان أقصى طموح اللبناني خفض ساعات التقنين، وكأن هذه الظاهرة أصبحت أمراً واقعاً لا مفرّ من التعايش معه. ولكن، منذ محت زحلة صفحة "الظلمة" من قاموسها وبات "أصحاب الموّلدات" ذكرى من تاريخها الكهربائي، أصبحت أصداء الرغبة في استنساخ التجربة تتردد في أكثر من مدينة وبلدة لبنانية.

أدى نجاح شركة كهرباء زحلة إلى خلق ثغرة كبيرة في جدار أزمة الكهرباء المستعصية في لبنان. فقد تبيّن للبنانيين أن الحلول موجودة إذا توافرت النيات والإرادات، وأن حلم الكهرباء الدائمة يمكن أن يصبح حقيقة وبتكاليف مقبولة، وفي مدة زمنية معقولة.
من جبيل إلى طرابلس والدكوانة وعاليه وبحمدون وغيرها، مساعٍ وأفكار ومشاريع تُدرس ويجري تداولها بهدف تكرار التجربة وإنتاج الكهرباء، ولعل أبرزها وأكثرها جدية في جبيل حيث تقدمت شركة "بيبلوس للطاقة المتطورة" بطلب إلى مجلس الوزراء لإنشاء معمل لإنتاج الكهرباء بقدرة 66 ميغاوات يؤمن التيار 24/24، وبكلفة تقدر بنحو 70 مليون دولار. علماً أن نسبة الطاقة المتوافرة حالياً في جبيل تقدَّر بنحو 40 ميغاوات، فيما الحاجة الفعلية هي 60 ميغاوات. ومع تسجيل النمو الاقتصادي في المدينة نمواً بنسبة 10% سنوياً، وفق القيِّمين على الشركة، أصبحت الحاجة ملحّة ولم يعد في الإمكان الانتظار وتحمّل ساعات تقنين تراوح بين 6 و12 ساعة يومياً.
مهندسو "شركة كهرباء زحلة"، أندريه رزق الله ونقولا سابا وناجي جريصاتي، يرون أن "نجاح تجربة كهرباء زحلة كان المدماك الأساسي الذي شجع عدداً من البلديات والمستثمرين على القيام بمشاريع مشابهة"، لافتين إلى تزايد الطلب من قرى وبلدات في منطقة البقاع لضمّها إلى نطاق كهرباء زحلة الجغرافي.

تستفيد المصانع والمؤسسات من أسعار تشجيعية وتوفر 65% من كلفة الطاقة

الدولة مستفيدة...

في ظل الاندفاعة لتكرار تجربة "كهرباء زحلة"، تزايد الحديث عن "فيدرالية الكهرباء"، وأن هذه المساعي ليست إلا أولى الخطوات نحو خصخصة القطاع، مع ما يرافق هذا الموضوع من أخذ وردّ بين مدافع عن الفكرة ورافض لها.
إلا أن مقاربة دقيقة لحالة "كهرباء زحلة" تبيّن أن الدولة التي غابت عن السمع في قطاع الكهرباء طوال عقود ستخرج في النهاية الرابح الأكبر. فعقد الامتياز الممنوح للشركة أعطاها الحق في الإنتاج إلى جانب التوزيع حتى عام 2018، ما يعني، بحسب رزق الله، "أنه عند انتهاء مفاعيل العقد يصبح لزاماً على الشركة تسليم الدولة المحطات وكامل الشبكة ومعداتها من دون مقابل، على أن تكون جميعها بحالة جيدة جداً. وتجدر الإشارة إلى أن مؤسسة كهرباء لبنان ستسترد الشبكة وحدها دون المعمل الذي استأجرته شركة كهرباء زحلة وجهزته بالتعاون مع شركة "أغريكو" البريطانية بموجب عقد سنوي".
ويوضح جريصاتي أن "أغريكو" هي التي "نفذت المشروع، وهي المسؤولة عن الصيانة والأعمال فيه. وكل ما يجب على شركة كهرباء زحلة فعله هو توفير المازوت الأخضر الذي يراعي المعايير التي تفرضها وزارة البيئة".
يذكر أن "شركة كهرباء زحلة" أبصرت النور قبل 40 عاماً من شركة كهرباء لبنان، وهي تعمل وفق عقود تخوّلها استجرار الطاقة من هذه الأخيرة. لذلك، يُعَدّ المشروع تكميلياً لعمل مؤسسة كهرباء لبنان، ولا علاقة له بخصخصة القطاع.

... والمواطنون أيضاً

استثمرت "كهرباء زحلة" ملايين الدولارات لتنفيذ مشروعها وتحقيق النتيجة المرجوّة، وباتت قادرة على توفير الكهرباء بفولتاج دقيق يصل إلى أكثر من 55 ألف مشترك في زحلة و17 بلدة مجاورة، بفاتورة تقل بـ 40% عن مجموع الفاتورتين اللتين كان أهالي زحلة وسكان القرى الـ 17 الأخرى يسددونهما للشركة ولأصحاب المولدات.
فمنذ عام 2014، اعتُمدَت فاتورة موحدة يتسلمها السكان تشمل تعرفة كهرباء لبنان المعتمدة حالياً، تضاف إليها 100 ليرة لبنانية في حدٍّ أقصى، مقابل كل كيلواط يستهلك خلال ساعات التغذية بالإنتاج الذاتي، أي مهما بلغت الكمية المستهلكة، سيبقى سعر الكيلواط 150 ليرة.
من جهة أخرى، لم تقتصر الاستفادة من خدمات شركة كهرباء زحلة على الاستهلاك المنزلي. فوفقاً لسابا، "تستفيد المصانع والمؤسسات الكبيرة من أسعار تشجيعية لتصل نسبة ما توفره من كلفة استهلاكها للطاقة إلى نحو 65%". وهذا ما شجع على جذب المستثمرين إلى المنطقة وزيادة المشاريع، ما انعكس إيجاباً على مختلف القطاعات الزراعية والصناعية والسياحية والتجارية، وعلى اليد العاملة لجهة توفير فرص عمل جديدة، ما أسهم في تجذّر المواطنين في قراهم.
وإذا كانت الكهرباء حقاً طبيعياً لأي مواطن، فإنها ــــ على أهميتها ــــ لا تضاهي أهمية الماء للإنسان. وقد نتج من توفير الكهرباء بشكل مستمر في زحلة والقرى المجاورة التخلص من مشكلة انقطاع المياه نظراً الى توفير "كهرباء زحلة" الكهرباء لمؤسسة مياه البقاع بنحو دائم.
نجحت الكهرباء في زحلة في سرقة بعض من وهج البردوني، حتى باتت أول ما يتبادر إلى ذهن أي شخص حين يُسأل عن أبرز ما تشتهر به عاصمة البقاع. وحتى إشعار آخر، وإلى أن تعمّم تجربة شركة كهرباء زحلة على مناطق وبلدات لبنانية أخرى، أو أن يأتي الفرج من خلال حلول أخرى، فإن الأكيد أن عموم اللبنانيين سيبقون يرددون حتى المستقبل القريب أن أهالي زحلة يعيشون "بغير عالم".