للمواطن العادي، تمتد السنة على مدى 365 يوماً. أما سنة التاجر، فتحسب على عدد مواسم الأعياد. ولكن، رغم أن الحسومات وصلت إلى حدود غير مسبوقة في هذه الفترة من السنة، ولامس بعضها نسبة 50%، إلا أن الواقع لا يزال هو عينه: غياب شبه تام للمتسوقين، متاجر مهجورة، وباعة يراقبون عقارب الساعة بحسرة. وزاد في المأساة أن السياح الذين كان يُعوَّل عليهم لسدّ النقص في إقبال اللبنانيين تبخروا هم أيضاً، نظراً إلى الأوضاع الأمنية غير المطمئنة. في ظلّ هذه التحدّيات، يصبح من المشروع التساؤل: هل تتغلب حنكة التجار على الواقع الاقتصادي الذي يصعب يوماً بعد يوم؟ التجار يقولون يؤكد رئيس جمعية تجار جونية، روجيه كيروز، «أن الأوضاع الاقتصادية المأسوية هي التي تفرض على التجار القيام بهذه التنزيلات، خصوصاً أن هناك متاجر ملتزمة مع وكالات لشراء البضائع، ما يضطرها إلى أن تبيعها بمردود ضئيل بهدف الصمود». وعن تأثير حركة السير على الدورة الاقتصادية في جونية والمعلومات التي تتحدث عن إقفال بعض المحال التجارية بسبب الزحمة الخانقة وتأثيرها السلبي على إقبال الزبائن من مناطق أخرى، يؤكد كيروز أنه «رغم هذه المشكلة التي تعمل بلدية جونية والمناطق المحيطة بها على حلّها، إلا أنها لم تؤثر أكثر من 10-20% على سوق جونية»، مشدداً على أن «العدو الأساسي للتجار لا يزال الوضع الأمني أكثر منه الوضع على الطرقات».
حتى الحسومات

التي بلغت نحو 30% على الألعاب وزينة الميلاد لم تحرّك السوق

ويوضح رئيس جمعية تجار الزلقا، فيليب سمراني، «أن للحسومات قانوناً يرعاها، ولا يحقّ للتجار الإقدام على هذه الخطوة متى شاؤوا. لكن الأوضاع الراهنة تجبرنا على غض النظر عن هذه المخالفات كي لا نقطع عنهم لقمة العيش». وناشد سمراني وسائل الإعلام عدم نشر أخبار غير موثّقة عن احتمال وقوع تفجيرات، «ما يزرع الذعر في نفوس الباعة والزبائن ويزيد الطين بلّة». أما رئيس جمعية تجار فردان زهير عيتاني، فلا يزال يعلّق آمالاً على عودة المغتربين إلى لبنان والحركة إلى الأسواق، قبيل العيد بيومين أو ثلاثة، إذ ينتظر المتسوّقون الأسبوع الأخير قبل العيد للتبضع وشراء الهدايا. الناس والتنزيلات تقول سلوى كريم (طالبة جامعية) إنها استفادت من التنزيلات وبدأت بشراء الهدايا للعيد قبل أكثر من شهر من موعده. وتوضح: «وصلتني رسائل خلوية عدة تعلن إجراء حسومات في بعض المحالّ التجارية، فأرادت الاستفادة قبل نفاد البضائع»، مشيرة إلى أن «الحسومات ليست على كل البضائع، ولكن في المجمل، الأسعار ليست مرتفعة». أما مريم، وهي أم لثلاثة أولاد، فتشير إلى أنه رغم الأوضاع المادية الصعبة، إلا أنها اشترت لأولادها الملابس والأحذية التي يريدونها، لكنها اضطرت إلى أن تستثني نفسها وزوجها من جديد العيد، «لأن الميزانية بالكاد تكفي الأولاد، والعيد لهم...». ما يخيفها فعلاً ليس أسعار الملابس فحسب، بل ما يرافق الأعياد من ولائم وواجبات اجتماعية، وتأمل ألّا تضطر إلى دفع ما وفرته في الألبسة على المواد الغذائية! دلال حجار، صاحبة محل للألبسة في الدكوانة، تقول: «نحن دائماً على استعداد لأيّ موسم من خلال الإعداد المسبق وشراء البضائع التي تناسب جميع الزبائن. ولتشجيعهم على الشراء رفعنا نسبة الحسومات خلال هذه الفترة، ولم ننتظر حتى نهاية الموسم، لأننا بحاجة إلى تحريك الركود الاقتصادي». وتضيف أن «الإقبال يزداد خلال فترة عيدي الميلاد ورأس السنة، لكن ضعف القدرة الشرائية للناس يؤثر بعملية البيع والشراء». الألعاب، السلعة الأساسية التي تباع في مثل هذا الموسم، لم تسلم هي الأخرى من تردي الوضع الشرائي للمواطنين. ويشير طوني حداد، وهو صاحب متجر لبيع الألعاب، إلى أن الحسومات التي بلغت نحو 30% على الألعاب وزينة الميلاد، «لم تأتِ بنتيجة ملحوظة. اعتمدتُ سياسة خفض الأسعار، عسى أن ترتفع القدرة الشرائية للمواطن، لكن من دون جدوى». موسم الأعياد في لبنان صعب. التجوال في الأسواق أشبه بالدوران في الفراغ. ناس وصخب وحركة، ولكن بلا حركة. ما بقي من العيد عند اللبنانيين هو البهجة... وهي، رغم أنها تتناقص يوماً بعد يوم، إلا أنها ما يشجع التجار على الاستمرارية والزبائن على الشراء. في النهاية فرح العيد أكبر من الحسومات!