يضع القانون ضوابط على القطاع الإعلاني إذ يتوجّب على مضمون الإعلان مراعاة "المحافظة على الشعور الوطني والسلامة والآداب العامة والبيئة والمناظر الطبيعية والأبنية الأثرية والتاريخية" حسب المادة الأولى من المرسوم 1302/2015 المتعلّق بتنظيم الإعلانات والترخيص لها.


وحظرت المادة الرابعة منه وضع اللوحات الإعلانية في عدة أماكن منها دور العبادة وتوابعها وضمن شعاع 50 متراً منها. وما يهمّنا هنا هو معيار احترام الآداب العامة الفضفاض والذي يفتح المجال أمام عدة اجتهادات، فما يعتبر مُخلّاً لدى البعض لا يستدعي هذه البلبلة لدى آخرين.
وإضافة إلى المراسيم الحكومية، لا بدّ من تسليط الضوء على قرارات بلدية على غرار القرار الصادر عن بلدية طرابلس عامّ 2004 محدّداً مواصفات الإعلان في نطاقها، فاشترط عدم مخالفة قواعد الحشمة وألّا يتضمّن "مسكرات أو مشروبات تحتوي على الكحول ولو بنسبة ضئيلة".
وتوضيحاً لإزالة إعلان مرخّص لشركة كوكاكولا حصل قبل مدة، يُظهر فتاة وشابّاً بلباس سباحة يُحدّقان ببعضهما، يشير رئيس بلدية طرابلس المهندس أحمد قمر الدين إلى أنّ صور الإعلان تتغيّر دائماً شارحاً الحادثة بتواجد "صورة موضوعة أمام جامع تقريباً ومخلّة نوعاً ما بالآداب لذلك أُزيلت"، نافياً أيّ تشدّد مستقبليّ على الإعلانات. وبعد أن أعدناه إلى مرحلة أزيلت فيها إعلانات لمشروبات، يُذكّر بغياب الانضباط في المدينة في فترة مضت، معتبراً اليوم أنّه "ليس هناك من مشكلة مع كافة الإعلانات بل إنّ الموضوع مرتبط بصورة الإعلان المخلّة والتي كانت موجودة على طريق دور عبادة". وحول التناقض بين رفض البلدية وموافقة الأمن العامّ، يجيب أنّ هذا الأخير ربما يجد بعض الصور لا تحوي أي إخلال "لكن أي بلدية قد ترى أنها تحوي أموراً قد تضرّ بمجتمعها فتأخذ قرارها في شأنها".

شركات الإعلان

تُذكّر كوليت شرفان المديرة العامة لوكالة "يونيفرسال ميديا" للإعلانات (UM Lebanon) بمحطات يصادفونها في عملهم اليومي تُبيّن الضوابط المفروضة على اللوحات الإعلانية التي يضعونها في عدد من المناطق. فإضافة إلى رقابة الأمن العامّ التي تتجلّى عبر رقم يُطبع في أسفل الإعلان مظهراً الموافقة على هذا الأخير، يؤخذ بعين الاعتبار "الضوابط والاعتبارات التي تفرضها منطقة الضاحية مثلاً إذ لا يمكن وضع إعلان يتعلّق بفوائد البنوك فيها، ناهيك عن محتويات أخرى ترويجية، وكلّ ذلك بالاستناد إلى استراتيجية مدروسة وبناء على اقتراحات المعلنين". وبالنسبة إلى إزالة إعلان كوكاكولا في طرابلس والعائد إلى وكالة UM، تقول شرفان: "تنبّهت للحادثة عبر مواقع التواصل الاجتماعية، وتفاجأت بتمزيق الإعلان"، ومع أنّها تتفهّم الاعتبارات، كانت تفضّل الرجوع إليها كشركة معنيّة فلا مانع من إزالته ولكنّ أحداً لم يتواصل معها.
وتضيف "عندما شعرت أنّ المحتوى الترويجيّ استفزّ فئة معينة، أخذت المبادرة بإزالة ثماني لوحات مشابهة في مواقع أخرى في طرابلس، ووضعنا إعلاناً آخر مكانها. وقد رحّب المعلن بالأمر وتعاطف مع من أحسّ بالاستفزاز، ولم نلمس أيّ اعتراض من قِبله".


معيار إحترام الآداب العامة فضفاض ويفتح باب الإجتهاد


وبعيداً عن إعلان المشروب الغازي، تشير إلى حادثة أخرى تعيدنا إلى انعكاس توتر العلاقات بين الدول على سوق الإعلانات وهذه المرة مع "إعلان عاديّ لملابس للعلامة التجارية LC Waikiki التركية التي أثارت تحفظات بعض المواطنين من أصل أرمني، وهو ما يجعلنا نتعلّم من التجارب التي نصادفها على الطرقات كي لا تتكرّر مستقبلاً حادثة إزالة أي إعلان".
من جهته، يُشدّد رشيد الخازن المدير العامّ لشركة "أو.إم.دي" للإعلانات (OMD) على ضرورة مراعاة خصوصية لبنان المناطقية والدينية والعقائدية، "ومن واجبنا كشركة نمثل الزبون أن ننصحه بتفادي وضع إعلان يتعلّق مثلاً بالكحول في مناطق يُعتبر الموضوع حساساً فيها احتراماً لسكانها وتجنباً لهدر أمواله وللكلام غير الصائب المرافق للإعلان، فاختيارنا لمكان وضعه يهدف إلى إفادة الزبون وليس لخلق ردة فعل تؤثر سلباً عليه، كون الإعلان وُجد لتشجيع الناس على شراء المنتج وليس لاستفزاز أحد".
ويجد الخازن أنّ "بعض الإعلانات تكون أحياناً في غير محلها، ومع أنّنا لا نصنعها إلّا أننا نحاول التهرب من بعضها. فعلى سبيل المثال، نعارض الإعلانات التي تُشجّع على شراء مكنسة كهربائية أو جلاية في عيد الأمّ ونلفت نظر الزبائن عند فبركتهم للدعاية بأنّ هذا التوجه يعتمد تصنيفاً خاطئاً".
من جهته، يوضح مارون حسون المدير العامّ لشركة "بي.إتش.دي" الإعلانية (PHD) الضوابط التي تُفرض على الإعلانات التي يضعونها في بعض المناطق والمتأتية من "خبرة الشركة في مرحلة أولى ثمّ تأتي الضوابط الدينية التي تُفرض على الإعلانات المتعلقة بالبنوك والمشروبات الروحية وتلك الخاصة بملابس السباحة". ويُعدّد عدداً من المناطق حيث تتجلى هذه الضوابط كمثل النبطية، الضاحية، طرابلس وبعلبك. ويضيف: "يُشكّل الأمن العامّ الضابطة الأولى ثم نعود إلى المناطق كلّ على حدة" كون البيئة تفرض دراسة السوق واختيار الفئة المستهدفة مع وضع خطة ملائمة. ويشرح أنّ الخسائر يتكبّدها الزبون كما شركة الإعلانات في حالة إزالة إعلان معيّن.

الذوق العامّ

يرى الدكتور محمود طربيه الخبير في الإعلام الاستراتيجي أنّ "إزالة الناس لإعلان مرخّص مرفوض من حيث المبدأ وغير قانونيّ فالإعلان موجود على ملك عامّ ولا يحقّ إزالته إلا من قبل السلطة المحلية أو من يملك إذناً بذلك. وتعتبر عادة البلديات المسؤولة عن الإعلانات فهي تعطي الترخيص لها". ويمكن النظر إلى تحفظ بعض الجمعيات على المحتوى وفقاً لمقاربتين قانونية وأخلاقية، فرفض البلدية مثلاً إزالة إعلان- موضع جدل- يؤدي إلى نوع من الاستفزاز للجوّ العامّ. وتوضيحاً لمقاربته، يستشهد الأكاديميّ بشركة Benetton و"إعلاناتها المثيرة للجدل تاريخياً مثل تصويرها جنيناً خارج الرحم، مع العلم أنّ بعض الدول سمحت بنشره ولكن امتنعت أخرى عن ذلك".
يضيف "قد تحمل بعض الصور مدلولات معينة بنظر البعض تنتقل ككرة الثلج من شخص إلى آخر وتتحوّل إلى تحريض وربما يأخذ الموضوع أكثر من مداه. كما تساهم حساسية المكان بجعل الإعلان موضع جدل. من هنا ضرورة مراعاة حساسيات معينة موجودة في بعض الأماكن".
ويقول طربيه إنّ الخسائر المباشرة المتكبّدة عقب إزالة الإعلان "تقع على شركة الإعلانات لأنها تتحمّل خسائر كالتلف. كما أنّ المعلن قد يتأذى سلبياً بالنسبة إلى التحفظات التي يثيرها المنتج. وهكذا، يتحمّل الخسارة كلّ من شركة الإعلان والمُعلن على المدى الطويل".
ويشرح طربيه "قد لا يستوقف إعلان المارة إلّا بعد حصول لغط حوله، وهو ما يجعلهم يتقصّدون رأيته ممّا يعطيه نوعاً من الانتشار، وهنا يمكن الحديث عن الدعاية السلبية بين مؤيد ومعارض. نفتقر في لبنان إلى قانون يضبط صناعة الإعلان وإلى مدونة سلوك أو شرعة أخلاقيات للإعلان في ظل وجود "فلتان" للواقع الإعلاني بغياب الضوابط".
ويختم "الأمن العام يوافق على المحتوى ولكن قد يتحفّظ عليه الناس على اعتبار أنه يخدش الحياء العام، عندها يُسحب الإعلان من بعض المناطق. ويساهم غياب المعايير المعتمدة بتكرار هذه الظواهر"، لافتاً إلى وجود "ضوابط أخلاقية حتى في الدول الأكثر انفتاحاً والتي تراعي الذوق العامّ، فالإعلان صناعة إبداعية يحمل رسالة".
بين من يعتبرها مخلّة وبين من يجد مضمونها عادياً، تبقى إعلانات الصيف في لبنان خاضعة لمعايير مناطقية ودينية تتحكم بكافة مقدرات البلاد. ويشعر المُعلن ووكالة الإعلانات أنهما مكبلان بقيود قانونية وإدارية ومجتمعية وأخلاقية.

* [email protected]