هل تكون الـ«كلاسترز» موضة المستقبل التي ستطبع قطاع المطاعم في لبنان؟ سؤال بات حاضراً بقوة. الفورة في مثل هذه المجمعات التي تتكاثر بشكل متسارع على مجمل الخارطة اللبنانية، والمتوقع أن تواصل النمو في الأعوام المقبلة، تشي بصوابية هذا الرأي. لكن خلف الكواليس مؤشرات أكثر واقعية كفيلة بأن تقلل من الصورة المتفائلة في الأذهان.


نشأتها

في السياق العام، الـ«كلاسترز» تعبير عن النمط الاستهلاكي السائد حول العالم، وبخاصة في المدن العربية المعاصرة، حيث أصبحت المراكز التجارية (المولات) المقصد الأساسي للمستهلكين والمتسوقين. طبعاً لـ«كلاستر» المطاعم شروط خاصة للنجاح. لكن ثقافة تجميع خدمات معيّنة في مكان واحد أصبحت مكرسّة بشكل قوي في مجتمعاتنا، حتى بات تطور فكرة «التجميع» ــــ ولو اتخذت أشكالاً مختلفة ــــ منطقياً ومتآلفاً مع «حركة التاريخ». يضاف إلى ذلك أن النشاطات الخارجية التي تتمحور حول الأغذية والمشروبات تعتبر عامل الترفيه الأول في المنطقة العربية ولبنان، وبالتالي فإن أي ابتكار أو تحديث في هذا المجال لا يعدّ خارجاً عن المألوف. وإذا ربطنا ما سبق بالوضع اللبناني العام، خصوصاً أن المحاولة الجديّة الأولى لإطلاق «كلاستر» في لبنان تعود إلى تجربة «شارع أوروغواي» في وسط بيروت عام 2011، يمكن الاستنتاج بأن مثل هذه المشاريع وجدت أيضاً في لبنان لتخلق جواً من التعاون بين المطاعم في ظل الظروف التي كانت سائدة حينها، وهو ما شجع على تنامي هذه الظاهرة في مناطق أخرى لاحقاً، بخاصة في ضبيه، في ظل الأوضاع السياسية والأمنية التي كانت تلقي بظلالها على العاصمة.
للواقع العقاري أيضاً دور مؤثر في بروز هذه المشاريع ونموها. المدير في شركة Hodema للاستشارات في مجال العقارات والمبيع بالتجزئة والضيافة ناجي مرقص يعتبر، من جهة، أن الجمود العقاري الذي يشهده لبنان ساعد على تطور الـ«كلاسترز» بحكم أن المطورين العقاريين «يفضلون عدم الدخول في مشاريع في ظل تراجع حركة المبيع والشراء والاستفادة من الأراضي المتوافرة إما من خلال استخدامها كمواقف للسيارات أو استثمارها من خلال مشاريع سياحية كالكلاسترز».


ثقافة تجميع خدمات معيّنة في مكان واحد أصبحت مكرسّة بشكل قوي في مجتمعاتنا

في المقابل، يرى كل من ربيع سابا ومروان أيوب، وهما شريكان مؤسّسان لشركة Venture Group العاملة في مجال الـ«كلاسترز» في لبنان والمنطقة، والتي طوّرت كلاً من الـBackyard في الحازمية وThe Village في الضبيه و الـ Uruguay Street، وأخيراً مشروع Restos St Nicolas في الأشرفية، أن «نشاط الشركة الأساسي هو تطوير العقارات التي لا يملك أصحابها نية لتطويرها وبيعها ويرغبون بالاحتفاظ بملكيتها. بالتالي، عملنا يقوم على منح هذه العقارات قيمة اقتصادية واستثمارية، وجعلها مصدراً للدخل».
عامل آخر مهم ساعد في بروز مفهوم الـ«كلاسترز» هو «اللامركزية» في مجال المطاعم بحسب مرقص. فبعدما كانت في الماضي مناطق معيّنة «تحتكر» أو تستحوذ على القسم الأكبر من رواد المطاعم والحانات والملاهي، برزت مناطق أخرى نجحت في استقطاب الناس لأسباب عدة منها، ما هو مرتبط بزحمة السير، ومنها الأمني مع تفضيل العديد من المواطنين التنقل ضمن مناطقهم فقط، بحيث أصبح «المشروع هو من يقصد الناس».

كيف تطلق «كلاستر»؟

بالمعنى المبسط والهندسي البحت، يكفي بناء مجمّع وتأجير المساحات الموجودة لمطاعم وحانات حتى يكون لدينا «كلاستر». والواقع أن العديد من المشاريع وقعت في فخ هذا التبسيط، فإما فشلت وأغلقت أبوابها أو اضطرت إلى إعادة التفكير بالاستراتيجية التي يفترض بها اتباعها وتغيير خططها مع ما يعنيه هذا من كلفة إضافية.
الخطوة الأولى تتمثل باختيار الموقع المناسب. وفقاً لسابا وأيوب «لا تصلح كل منطقة بالضرورة لإنشاء كلاستر. وحتى ضمن المنطقة الواحدة، يجب التفريق بين موقع وآخر. ففي لبنان كما في المنطقة العربية، توجد أبعاد دينية واجتماعية لا تزال تفرض نفسها. بعض المناطق، مثلاً، لا تحبذ المشروبات الكحولية وأماكن السهر، فيما في مناطق أخرى للأراجيل أهمية كبرى». واختيار المنطقة والموقع، يؤثر أيضاً على تصميم الـ«كلاستر» ولا يمكن تجاهله إطلاقاً حتى يكون المجمّع متآلفاً مع محيطه، وهذا ما يظهر على سبيل المثال في «كلاستر» Restos St Nicolas في منطقة الأشرفية الذي أقيم في منزل قديم يعود تاريخ بنائه إلى عام 1880. حتى تسمية الـ«كلاستر» لافتة واختيرت بعناية لتكون انعكاساً للثقافة الفرنكوفونية الغالبة على سكان المنطقة.
ثانياً، من الركائز الأساسية لنجاح أي «كلاستر» هو درس السوق والمستهلكين. ويشدد مؤسسو شركة Venture Group على أن الـ«كلاستر» يتوجه «إلى الطبقات الوسطى بشكل خاص. فالمطاعم الراقية تتمتع بخصوصية وطابع معيّن لا توفره الكلاسترز». رأي يتوافق مع ما يقوله مدير Hodema للاستشارات الذي يعطي مثالاً ما حصل في مطاعم «خليج الزيتونة» عند الانطلاق حيث كانت «المطاعم هنالك في البداية تستهدف فئة محددة من الناس بمجملها من الميسورين، لكنها عادت لتضم مطاعم ومقاهي تلبي احتياجات فئات أوسع من الناس».
في السياق عينه، يقول المدير التنفيذي لـ«كلاستر» Blueberry Square في منطقة الضبيه طوني بيدروس إنه من المهم أن يضم الـ«كلاستر» مطاعم «مؤثرة وقوية، سواء في قدرتها على استقطاب الناس أو في عدم تأثرها بسهولة بأي خضة سياسية أو أمنية أو اقتصادية».

مشاريع إضافية

«يساهم هذا النوع من المشاريع في إنماء المناطق وتنشيط الحركة السياحية فيها» بحسب نقيب أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي طوني رامي، «وهو ما ظهر في برمانا التي استعادت حيويتها بشكل لافت، والحازمية التي كانت متعطشة لوجود مطاعم، أو ضبيه التي تحولت من مجرد منطقة عبور نحو الكسليك وجونيه إلى مقصد سياحي بامتياز». كما أن تكاثر الـ«كلاسترز» وقربها الجغرافي من بعضها البعض «فرض علينا خفض الإيجارات على المطاعم والحانات والملاهي كي لا تذهب إلى مجمّع آخر منافس» بحسب بيدروس. وفي هذا الإطار، يكشف سابا وأيوب عن مشاريع «كلاستر» إضافية يخططان لإطلاقها خلال 2 إلى 3 سنوات كحدٍّ أقصى في كل من الرملة البيضاء وبيت مري وعجلتون وصيدا وصور وجبيل وزحلة وطرابلس.
تستفيد المطاعم والحانات في الـ«كلاسترز» من تجمعها في مكان واحد وهو ما يخدمها جميعاً من حيث أعداد الرواد الذين يقصدون المجمع، مما ينعكس إيجاباً أيضاً في عملية التسويق التي تصبح من ضمن استراتيجية أشمل وأوسع تتطلب تضافر القوى. كما تسهل الخدمات التي تؤمنها إدارة الـ«كلاستر» أعمال المطاعم.
بحسب بيدروس وسابا وأيوب «نحن من يتولى عملية البناء والبنية التحتية والمساحات الخارجية إضافة إلى تأمين المولدات والمياه والأمن والمواقف وغيرها. ويبقى على المطاعم والحانات والملاهي الاهتمام بالتصميم الداخلي الخاص بها». وأهمية إدارة الـ«كلاستر» تبرز أيضاً استناداً إلى سابا وأيوب «في دورها في الحفاظ على نشاط المجمع وحيويته, لذلك نحرص على تنظيم العديد من النشاطات والاحتفالات».

سلبيات

اضطرار الـ«كلاسترز» لتنظيم نشاطات وحفلات وجلب فنانين ليس بالأمر الإيجابي بالنسبة لنقيب أصحاب المطاعم الذي يعتبر أن «مثل هذه النشاطات تزيد من الكلفة على المطاعم والحانات التي تضطر إلى المساهمة المادية». يضاف إلى ذلك أن الـ«كلاسترز»، بمعظمها، تضم إلى جانب المطاعم، حانات وملاهي، وهذه الأخيرة تستفيد من جلب فنانين ويناسبها الموضوع. لكن ماذا يكسب مطعم إيطالي أو مطعم سوشي من دفع تكلفة زائدة بسبب جلب فنان، بخاصة أن زبائنه قد لا يكونون يبحثون عن جوٍّ صاخب».
واستطراداً يعيد مرقص اضطرار الـ«كلاسترز» للجوء إلى مثل هذه الأساليب هو أنها «محصورة بالمطاعم والحانات فقط ما قد يثير ملل الناس. فلا شيء إضافياً تقدمه، على عكس المولات. من دون أن ننسى التشابه الكبير بين هذه الكلاسترز لجهة ما تقدمه وأيضاً، وهو الأهم، لجهة المطاعم والعلامات التجارية الموجودة فيها حيث نلاحظ وجود العلامات التجارية عينها في أكثر من كلاستر».
لناحية الكلفة نشهد تبايناً في الآراء. ففيما يشدّد كل من سابا وأيوب وبيدروس على أن المطاعم في الـ«كلاسترز» توفر من حيث التكاليف والإيجارات، يعتبر رامي ومرقص أن الكلفة أكبر من الكلفة في حال كان المطعم مستقلاً ومنفرداً «كون المطاعم والحانات تضطر إلى دفع إضافة إلى بدل الإيجار، مبلغ إجمالي مقطوع من نسب الأرباح في بعض الحالات، إضافة إلى المساهمة المالية الجماعية في التسويق وتنظيم النشاطات».
يبقى السؤال الأبرز: هل تقضي الـ«كلاسترز» رويداً رويداً على المطاعم المستقلة والمنفردة كما فعلت المولات بالمتاجر المحيطة بها؟
حتى الآن يبقى الجواب على هذا السؤال صعباً، ولا يخرج عن إطار التكهنات، نظراً إلى أن التجربة لا تزال حديثة، ولا يزال من المبكر تبيان مؤشرات دقيقة وعلمية تكشف عن مدى تأثيرها على باقي المطاعم. لكن الأكيد أنها أثبتت نجاحها حتى الآن، وعرفت كيف تتكيف مع متطلبات السوق وتعيد تنظيم استراتيجيتها وتصحيح الأخطاء التي وقعت فيها في البداية.
من ناحية أخرى يتمتع كل مطعم بخصوصية معيّنة. وما قد يكون عامل قوة للـ«كلاستر» قد يكون في الوقت عينه عامل ضعف، وهذا كله مرتبط بالمستهلك وحاجاته ورغباته. وفيما نشهد توسعاً لافتاً لهذا النوع من المشاريع، من الجائز التساؤل ــــ قبل البحث عن مستقبل المطاعم المنفردة أو المستقلة ــــ عن مستقبل الـ«كلاسترز» التي يرى فيها البعض «رهجة» قد لا تدوم طويلاً، لعدم قدرة السوق اللبنانية على احتمال مثل هذا النوع من المشاريع الإضافية.