دائماً ما تذكر مرحلة الثورة الصناعية التي امتدت منذ منتصف القرن 17 حتى منتصف القرن 18 للإضاءة على ظروف العمل المأساوية التي كان يعاني منها العمال حينها. بعد أكثر من قرنين ونصف، وعلى الرغم مما شهدته البشرية من تطورات اقتصادية واجتماعية وابتكارات تقنية وتكنولوجية وعلمية كان يفترض بها أن تحسن من حال الموظفين والعمال تفيد الإحصاءات أن الغالبية العظمى منهم لا تزال تعاني صحياً، نفسياً وجسدياً وهو ما ينعكس سلباً على حياتهم وعلى الاقتصاد ككل.


من أصل 7.6 مليار إنسان على وجه الكرة الأرضية يتوجه كل يوم ما يقارب 3.2 مليار منهم إلى العمل. ويقدر عدد الساعات التي يقضيها الإنسان في العمل بـ 90 ألف ساعة، والكثير من البالغين يقضون ثلث إلى نصف يومهم في العمل أو يمارسون مهام مرتبطة بالعمل.
ووفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي وكلية هارفرد للصحة العامة فإن الأمراض المزمنة الرئيسة والأمراض العقلية ستكلف الناتج الاقتصادي العالمي حوالى 47 تريليون دولار أميركي ما بين عامي 2011 و2030. أما الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الحوادث في العمل، والأمراض المهنية والمشاكل الصحية المرتبطة بالعمل تمثل من 4% إلى 6% سنوياً من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحسب كل من منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية. وبطبيعة الحال فإن الأمراض المزمنة تؤثر بشكل كبير على إنتاجية الموظفين والعمال وتضعف من الناتج البشري.


الأمراض المزمنة الرئيسة والأمراض العقلية ستكلف
الناتج الاقتصادي العالمي حوالى
47 تريليون دولار

لكن آثارها الاقتصادية لا تقاس فقط من حيث نفقات الرعاية الصحية المباشرة بل تتضمن أيضاً الخسائر الناجمة عن التغيب عن العمل وأيضاً ضعف المردود في العمل بسبب المرض أو الضغط العصبي أو غيرها من الأسباب. وفي هذا السياق تفيد الإحصاءات أن خسائر الإنتاجية بسبب سوء الصحة وضعف المردود في العمل هي أعلى بكثير من التكاليف المباشرة للعلاج الطبي الفعلي حيث يبلغ متوسطها 2.30 دولار في فقدان الإنتاجية لكل دولار يصرف على التكاليف الطبية. في الولايات المتحدة على سبيل المثال يصل حجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الأمراض المزمنة والإصابات المرتبطة بالعمل والإجهاد في العمل إلى حوالى 2.2 تريليون دولار أو ما قيمته 12% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي هذا الإطار تظهر دراسات عدة أن تكاليف الضغط العصبي المرتبط بالعمل تبلغ 650 مليار دولار في أوروبا، 300 مليار دولار في الولايات المتحدة، من 2 إلى 8 مليارات دولار في كندا و3.9 مليار دولار في استراليا.
في السياق عينه ومواكبةً للطفرة التي يشهدها العالم في ما يتعلق بالولع بالنشاطات الصحية والأكل الصحي ونمط الحياة الصحي وما يرافقه من منتجات وخدمات، فإن مفهوم مكان العمل شهد تطوراً أيضاً بحيث لم يعد مجرد مكان يؤدي فيه العامل أو الموظف ما يُطلب منه لا بل أصبح يُنظر إليه بنظرة أكثر شمولية كمرفق متكامل يوفر تسهيلات عدة تجعل من دوام العمل أكر أريحية من خلال توفير أماكن للراحة ومعدات رياضية ويتضمن كافيتيريا تؤمن أكلاً صحياً إضافة إلى مساحات يمنع فيها التدخين وغيرها. وانطلاقاً من هذا المفهوم الواسع لمكان العمل تكشف الإحصاءات أن أماكن العمل التي توافق هذا التعريف لا تزال قليلة جداً في العالم رغم أن حجم هذا القطاع أصبح يمثل 40.7 مليار دولار عالمياً. وعلى مستوى العالم تبلغ نسبة أماكن العمل الذي توفر مناخاً صحياً لموظفيها 9% فقط. وعلى مستوى القارات والمناطق تتوزع على الشكل التالي: 52% في أميركا الشمالية، 23% في أوروبا، 7% في الشرق الاوسط وشمال إفريقيا، 5% في كل من آسيا-المحيط الهادئ وأميركا الجنوبية ومنطقة الباسيفيك، و1% فقط في إفريقيا.
(الأخبار)