حتى الآن، لم يدخل «الاعتماد الأكاديمي» للجامعة وبرامجها في لائحة الاعتبارات التي يضعها الطالب لدى اختيار اختصاص المستقبل. لا يدرك الأخير تماماً أن إحدى أهم الخطوات التي يجب أن يتخذها قبل الالتحاق بمؤسسة جامعية هي التحقق مما إذا كانت هذه الجامعة قد حصلت على الاعتماد من هيئة اعتماد رسمية، والتي عادة ما تكون هيئة الاعتماد الوطنية المعترف بها من كل من وزارة التربية ومجلس التعليم العالي.

في لبنان، لا تزال المديرية العامة للتعليم العالي تقاتل من أجل إقرار قانون إنشاء الهيئة اللبنانية لضمان الجودة الذي لا يزال أسير أدراج المجلس النيابي. وفي الانتظار، سعى عدد من الجامعات إلى الحصول على اعتماد من هيئات دولية لضمان الجودة، إلّا أنّ هذه المسيرة لا تزال في بدايتها، فالجامعات التي حصلت على الاعتماد كمؤسسة أو الاعتماد لبرامجها لا تتجاوز 7 جامعات من أصل 50 جامعة خاصة في لبنان.
المفارقة اليوم أن هناك جامعات تسدي برامج ماجستير، وليس لديها اعتماد لأي اختصاص، في حين أن اعتماد البرامج والاختصاصات بات ملزماً بحكم القانون الجديد الرقم 285 الصادر في 30/4/2014 (الأحكام العامة للتعليم العالي وتنظيم التعليم العالي الخاص).

نشر ثقافة الجودة
تجدر الإشارة إلى أن المديرية ستنطلق ابتداءً من عام 2019، في مسار تجديد الاعتراف بالشهادات التي تمنحها الجامعات الخاصة، والجامعة التي لا تستحصل على قرار اعتراف بشهادة اختصاص معين سيطلب منها التوقف مباشرة عن تدريس هذا الاختصاص. اللجنة الأكاديمية والفنية في المديرية تعكف حالياً على وضع آلية ترتكز على التقييم الذاتي وفق معايير ومؤشرات دولية لجودة التعليم والتقييم الخارجي من لجنة خبراء. وكانت المديرية قد ساهمت في نشر ثقافة الجودة في القطاع الجامعي اللبناني، ولعل آخر خطواتها في هذا المجال إسهامها، إلى جانب رابطة جامعات لبنان، والوكالة الجامعية الفرنكوفونية، في إطلاق دليل ضمان الجودة في التعليم العالي.
المديرية تلفت الانتباه دائماً إلى أنّ هناك هيئات اعتماد دولية لضمان الجودة معترفاً بها، وأخرى تمارس التجارة وتشرّع طواحين الشهادات ولا يعتد باعتمادها. ومن الهيئات المعروفة عالمياً هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي في أميركا (CHEA) وهيئة الاعتماد البريطانية (QAA).

ما هو الاعتماد الأكاديمي؟
الاعتماد هو، ببساطة، اعتراف مبني على تدقيق جدي وموثق، من قبل جهة خارجية مستقلة وموثوقة، بانتظام آليات العمل في المؤسسة وفق معايير الجودة العالمية، وذلك في عدد من القطاعات، تُدرس في ضوء معايير محددة وفي بعض الأحيان مؤشرات كمية. في ما يتعلق بالجامعات، يتركز الاهتمام عادة على القطاعات الآتية: الحوكمة، التعليم، الأبحاث، الطلاب، الموارد البشرية، الموارد العامة، خدمة المجتمع، مع ما يتفرع منها.
تكمن أهمية الاعتماد في المسار لا في النتيجة وحسب. فهو يسمح للمؤسسة، في مرحلة التقييم الذاتي أولاً، أن تعاود تقييم أدائها في ضوء رسالتها، وقيمها، والتحقق من مدى ملاءمة المبادرات والمشاريع التي تقوم بها مع أهدافها القطاعية، ومع أهدافها العامة وقيمها العليا. ومن فوائد مسار الاعتماد أيضاً أنه يدفع المؤسسة إلى تقييم أدائها في ضوء أفضل المعايير العالمية، ثم إلى تجنيد طاقاتها للعمل على تحسين نقاط ضعفها وضمان تطورها المستمر.

بداية نهاية الالتباس
هل بات التعليم يحتاج بالضرورة إلى الاعتماد وكيف يمكن التأكد من أن هيئة الاعتماد هي جهة موثوق فيها؟ يقول رئيس الجامعة الأنطونية الأب الدكتور ميشال جلخ: «لا يحتاج التعليم إلى الاعتماد بحد ذاته، بل إلى ضمان الجودة والتطوير المستمر، ولا سيما في بلد كلبنان حيث يعتبر قطاع التعليم العالي قطاعاً تنافسيّاً بامتياز (بعد موجة التراخيص التي شهدها القطاع مطلع تسعينيات القرن الماضي)، فكثرة الجامعات تهدد بتمويه المعايير والإفضاء إلى التدني العام للمستوى. وبرأيه، فإن إنشاء الهيئة اللبنانية لضمان الجودة، وصدور المراسيم التي تحدد آليات عملها، أمر بغاية الأهمية للجامعات الخاصة الجادة. علماً أن المؤسسات الحائزة اعتماداً مؤسسياً، كالجامعة الأنطونيَّة وخمس جامعات لبنانية أخرى، تعفى من التدقيق الدوري، ومن تجديد تراخيصها كل ست سنوات.
فالجامعة الأنطونية انضمت أخيراً إلى نادي الجامعات المعتمدة، فحصلت ــ كما يقول رئيسها ــ على الاعتماد المؤسسي من الوكالة السويسرية للاعتماد وضمان الجودة (AAQ)، وهي المؤسسة المكلفة الاعتراف بأهلية المؤسسات الجامعية السويسرية، وقلما تتعاون مع جامعات غير أوروبية.
من جهته يرى نائب رئيس جامعة سيدة اللويزة (NDU) للشؤون الأكاديمية إيلي بدر ، أن الاعتماد لم يعد ترفاً، بل هو أحد الأهداف الاستراتيجية للتعليم في أي بلد، وبات ضرورياً أن يلتفت الطالب إلى الحصول على شهادة معتمدة من جهة موثوقة لدى الاستثمار في التعليم الجامعي. ويكشف بدر أنه وفي ظل غياب معايير الاعتماد الوطنية، لجأت جامعة سيدة اللويزة هي الأخرى إلى هيئات اعتماد دولية من أبرزها : ABET وهي هيئة الاعتماد للهندسة والتكنولوجيا، و NEASC وهي جمعية نيو إنغلاند للمدارس والكليات والمعاهد المؤسسية وغيرها...